الرأي

انهيار القيم بالمدرسة الجزائرية‮.. ‬لماذا؟‮!‬

الشروق أونلاين
  • 4806
  • 0

من الظواهر المألوفة مؤخرا أن تجد الكثير من موظفي‮ ‬قطاع التربية والتعليم‮ ‬يشكِّلون طوابير طويلة أمام مكاتب التقاعد بمديريات التربية هروبا من الميدان حتى للذين لم‮ ‬يستوفوا السن القانونية‮.‬

وإن كانت الموضوعية تقتضي‮ ‬القول بأن كل من اتخذ هذا القرار له مبرراته،‮ ‬إلا أنك إذا سألتَ‮ ‬عن السبب‮ ‬يجيبك أحد هؤلاء‮: ‬لم‮ ‬يعدْ‮ ‬لنا مجالٌ‮ ‬للبقاء في‮ ‬ظل ظروف العمل وواقع المؤسسات التربوية التي‮ ‬تعاني‮ ‬من أمراض عِدّة وهي‮ ‬منكفئة على ذاتها عاجزة عن أداء مهامها‮..‬

وتردّ‮ ‬عليك أخرى بأننا في‮ ‬أحسن الأحوال إذا خرجنا وقوانا العقلية سليمة فذلك أفضل مكسب‮..‬

لكن الرد الذي‮ ‬شدَّ‮ ‬انتباهي‮ ‬هو قول أحدهم إن المدرسة،‮ ‬وهي‮ ‬المكان الذي‮ ‬يربي‮ ‬الأجيال على القيم والمبادئ والأخلاق،‮ ‬قد انهارت فيها تلك القيم إلى حدّ‮ ‬لا‮ ‬يُطاق،‮ ‬وعليه فالفرار من هذا الوسط أفضل قرار اتخذته في‮ ‬حياتي‮.‬

لاشك أن وظيفة المدرسة الجوهرية هي‮ ‬اكساب التلاميذ منظومة المعتقدات والقيم والاتجاهات والمهارات التي‮ ‬تمكِّنهم من التكيُّف مع مجتمعهم والإسهام في‮ ‬تطويره،‮ ‬وعليه‮ ‬يجب أن تسعى المدرسة إلى تكوين اتجاه إيجابي‮ ‬في‮ ‬نفوس الطلاب نحو تلك القيم،‮ ‬وتقويم ما‮ ‬يطالها من اعوجاج حتى تصبح سلوكات تمارس في‮ ‬واقع الحياة‮.‬

لكن المتتبعَ‮ ‬للأخبار اليومية وما تطالعنا به الجرائد من حوادث داخل المؤسسات التعليمية من جرائم القتل،‮ ‬والتحرش،‮ ‬والسرقة،‮ ‬وتجارة المخدرات وتناولها محشوّة في‮ ‬سجائر،‮ ‬والتشاجر بالأسلحة البيضاء،‮ ‬ومحاولات الانتحار،‮ ‬وتحوّل المدارس إلى مرتع للآفات الاجتماعية‮ ‬يعتدي‮ ‬فيها التلميذ على الأستاذ بالسبِّ‮ ‬والشتم أو الضرب ليلجأ هذا المربّي‮ ‬إلى الدفاع عن نفسه باعتماد العنف البدني‮ ‬واللفظي‮… ‬وهكذا هيمنت مظاهر العدوانية واللاتسامح والإخلال بأبسط قواعد الاحترام وغيرها من السلوكات فتحوّلت مدارسنا إلى أماكن لتعلم أي‮ ‬شيء إلا الأخلاق‮.‬

وقد ارتفعت نسَب هذه الظواهر إلى درجة أدَّت بالسيدة وزيرة التربية إلى الاعتراف مؤخرا بالحاجة الملحة إلى أخْلقة المدرسة‮.‬

من البديهيات التي‮ ‬تعلمناها منذ نعومة أظافرنا،‮ ‬أن القيم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان،‮ ‬وأنها شاملة ومستمرة توجِّه سلوكات الإنسان في‮ ‬مختلف مجالات الحياة،‮ ‬فلماذا حضرت قيمُ‮ ‬الطاعة والاحترام والعدل والمواطنة والتضامن والتسامح والتماسك الاجتماعي‮ ‬وأسمى معاني‮ ‬الخلق والأدب الانساني‮ ‬الرفيع في‮ ‬مدارسنا قديما وغابت عنها اليوم؟

لقد اجتمعت عدة عوامل أدَّت إلى تدهور القيم الأخلاقية في‮ ‬مؤسساتنا التربوية وعلى رأسها‮:‬

1‭- ‬ضعف الوازع الديني‮ ‬وسيطرة الجانب المادي،‮ ‬حيث تمّ‮ ‬الفصل بين الدين والالتزام بتعاليمه في‮ ‬حياة الناس،‮ ‬بالإضافة إلى اهتزاز قيمة العلم في‮ ‬نفوس الطلاب ومقارنة واقع المتعلمين المادي‮ ‬المزري‮ ‬في‮ ‬الكثير من الأحيان بحالة أصحاب الثراء والأموال‮.‬

2‭- ‬استقالة الأسرة عن ممارسة دورها التربوي‮ ‬وحمَّلت المسؤولية للمدرسة وحدها لتواجه مصير الأجيال،‮ ‬فتكالبت عليها ضغوطُ‮ ‬المجتمع بكل مؤسساته وأطيافه‮.‬

3‭- ‬مسؤولية وسائل الإعلام بكل أنواعها،‮ ‬إذ لم تعُد محتويات الكثير منها ذات توجّه أخلاقي‮ ‬بِنائي‮ ‬بل تجاري‮ ‬محض ومهدِّم للآداب‮.‬

4‭- ‬تطوّر وسائل التواصل الاجتماعي‮ ‬التي‮ ‬جعلتنا أمام عولمة المجتمعات،‮ ‬وأصبح شبابنا‮ ‬يعيش في‮ ‬مجتمعات مخالفة لقِيَمنا وعاداتنا،‮ ‬فاتخذ نماذج أخلاقية وقدوات لا ترتبط بنا لا من بعيد ولا من قريب،‮ ‬ولك أن تتأمل في‮ ‬تسريحات الشعر ونوعية وشكل ملابس طلابنا وطالباتنا‮..‬

5‭- ‬تخلي‮ ‬بقيّة مؤسسات المجتمع الأخرى عن دورها التربوي‮ ‬كالمسجد ودور الثقافة ومراكز الشباب وغيرها‮…‬

6‭- ‬تبني‮ ‬الكثير من القائمين على رسالة التدريس طرائق عمل بالية وعقيمة في‮ ‬تعليم القيم والأخلاق؛ إذ تُقدَم للأجيال كمعارف مباشرة وجوفاء،‮ ‬بدل أن تكون ممارسات حيَّة تُشاع في‮ ‬الحياة المدرسية وينتقل بريقها وأثرها خارجها إلى شتى مجالات الحياة،‮ ‬فليس التعلم أن تَحفظ الحقائق عن ظهر قلب بل أن تعرف ماذا تفعل بها؟‮.‬

7‭- ‬إشكالية العلاقة بين التلميذ والأستاذ والإدارة المدرسية،‮ ‬إذ لم تعد الأخلاق هي‮ ‬الحاكمة لتلك العلاقة،‮ ‬بل أصبحنا أمام علاقات صراع وتمرُّد وعنف ظاهر وخفي،‮ ‬وتخلى الجميع عن الانضباط فتخرّج في‮ ‬هذه المدارس جيلٌ‮ ‬من الفاشلين والمنحطين والمشاغبين،‮ ‬إلا من رحم ربك‮.‬

‬تبنى الكثير من القائمين على رسالة التدريس طرائق عمل بالية وعقيمة في‮ ‬تعليم القيم والأخلاق؛ إذ تُقدَم للأجيال كمعارف مباشرة وجوفاء،‮ ‬بدل أن تكون ممارسات حيَّة تُشاع في‮ ‬الحياة المدرسية وينتقل بريقها وأثرها خارجها إلى شتى مجالات الحياة،‮ ‬فليس التعلم أن تَحفظ الحقائق عن ظهر قلب بل أن تعرف ماذا تفعل بها؟‮.‬

وللخروج من هذا الوضع الأخلاقي‮ ‬المتأزم،‮ ‬لابد أولا أن‮ ‬يقتنع الجميع بإمكانية التغيير والتعديل،‮ ‬فالعملية التربوية تحتاج إلى وقت طويل وصبر كبير،‮ ‬وأن نتعاون كلنا على حمل راية التربية،‮ ‬خاصة الأسرة،‮ ‬لأن هذه الرسالة أهمّ‮ ‬من أن تُترك في‮ ‬أيدي‮ ‬المعلمين وحدهم قصد ضبط سلوك أبنائنا وبناتنا وكفِّهم عن الممارسات التي‮ ‬تتعارض مع قيَم المجتمع وأصالته‮.‬

وإذا كانت المدرسة هي‮ ‬رافعة لواء إصلاح منظومة القيم داخل المجتمع،‮ ‬وستبقى،‮ ‬فقد آن الأوان لإعادة النظر في‮ ‬المناهج والمقررات الدراسية لما لها من انعكاسات على هذه المنظومة بما‮ ‬يجعل الفضاء المدرسي‮ ‬مجالاً‮ ‬لغرسها والتشبّع بها فكريا والتقيد بها سلوكيا‮.‬

وقبل ذلك،‮ ‬ينبغي‮ ‬الاهتمامُ‮ ‬بإعداد وتكوين كل القائمين على الفعل التربوي،‮ ‬خاصة تلك الحشود الكبيرة من الجامعيين الذين‮ ‬يريدون أن‮ ‬يحلُّوا محل هؤلاء المتقاعدين بما‮ ‬يمكِّنهم من أن‮ ‬يكونوا منارات للعلم ومصابيح‮ ‬يَهتدي‮ ‬بها الجميع،‮ ‬فاعلين لمجد التغيير،‮ ‬ولا‮ ‬يرضى الواحد منهم بأن‮ ‬يبقى في‮ ‬موقف المتفرج أمام هذه المآسي‮ ‬وكأنه ذلك الضمير الغائب أو الذي‮ ‬لا محل له من الإعراب‮.‬

فإذا تهاون رجالُ‮ ‬التربية في‮ ‬أداء رسالتهم واستسلموا للأمر الواقع،‮ ‬وفرَّط القائمون على شؤون الوزارة في‮ ‬الاهتمام بركن التكوين،‮ ‬فنحن أمام منعطفٍ‮ ‬خطير‮ ‬يسير بالبلد نحو نَفقٍ‮ ‬مظلم،‮ ‬لأننا نحيا اليوم في‮ ‬عالم لا‮ ‬يسعُ‮ ‬إلا الأقوياء ولا مكان فيه للمهازيل الضعفاء‮.‬

أملنا أن نعيش ذلك اليوم الذي‮ ‬نرى فيه مدارسَنا وقد خرَّجت أجيالا واعية مقدامة في‮ ‬طلب العلم،‮ ‬جادة في‮ ‬خدمة وطنها،‮ ‬متمسكة بتلك القيم الأصيلة والنبيلة‮.‬

‬bekhoucheammar@yahoo.fr

مقالات ذات صلة