“باب الحارة” استدعى التاريخ ولم يتطلع لمستقبل
للسنة الخامسة على التوالي تعرض معظم التلفزيونات العربية مسلسل باب الحارة..ويكون المسلسل حقق تفوقا واضحا على مجمل أعمال الدراما العربية وتحديا لها..فما هو مصير الحارة بعد أن نزع الاستعمار بابها؟؟
في واحدة من روائع الدراما السورية جاء مسلسل باب الحارة الذي توالت أجزاؤه مع كل رمضان شاهدا على تطور العمل الفني للأسرة الفنية السورية، وقد تمتع المشاهد العربي مشرقا ومغربا بعمل تداخل فيه الفني مع الثقافي، والذي جاء مكثفا على إبراز القيم الجمالية الفاعلة في الحياة العربية التقليدية، وعلى استنهاض معاني النبل وأكرم ما في المشاعر من أحاسيس، ومركزا على التصدي لحالات الرذيلة المعنوية والمادية .. فكان بذلك مادة تربوية اجتماعية بامتياز.
جاء مسلسل باب الحارة ليفتح صفحة الحياة في مرحلة معينة على الأشخاص والعمران والقيم وليفتح الإطار واسعا على مزيج من المشاعر وأنواع التنازعات بين عناصر الحياة في مجتمع يحاول التشبث بقيمه ويجعل حراسا عليها من قوانين وأوضاع ومرجعيات، في حين لا تتوقف المؤامرات عليه من الخارج لتقويضه وبث الفتنة في أوصاله..لقد شدّ هذا العمل الفني كل الفئات الاجتماعية في المجتمع العربي ليجد كل واحد مبتغاه الفني أو القيمي في هذا العمل الكبير الذي شهد حوارا يتداخل مع رغبات جامحة في المجتمع العربي المعاصر الذي يحس بمدى هوانه نتيجة تخليه أو إرغامه على التخلي عن تلك القيم.
وفي إدراك عظيم لأهمية المكان جاء إبراز الجانب العمراني ليعطي تلك القيم فضاءها الرحب في التحرك والنجاح.. فباب الحارة واسع وعال والبيوت جميعا مشمولة بالحماية وكلها داخل السور، وهي متجاورة بقرب من بعضها وفي داخل كل منها فسحة كبيرة تتسع لكل ذوق وراحة وجمال ودفء إنساني، كما هي قلوب أبناء العروبة والإسلام.. قلوبهم متجاورة وفي كل منها سعة وراحة وجمال ونبذ للأوساخ والسخائم على الأقل، هكذا أراد المخرج أن يظهر تلك المرحلة..فكان العمران تماما انعكاسا للحالة الاجتماعية النفسية لأبناء تلك المرحلة.
ومن صميم الشخصية العربية الاجتماعية التاريخية ونماذج تألقها حيث دوما كانت روح التكامل والتوافق هي الحكم المقبول والمثالي في حياة العرب في القبيلة والمدينة سواء فلم يكن فرعون موجودا في هذا العمل الفني، كما اتسمت الكثير من الأعمال الفنية العربية ..لقد كان كل شخص بطلا ويقوم بدور محوري متميز، وكان الأبطال هم كل من تحرك في المسلسل، ولكل لمعانه وإضافته وأهميته، وهكذا يأتي صعوبة اشتباك هذه الشخصيات المتنوعة..فلم يكن العمل الإبداعي على طريقة بعض الدراما العربية التي تأتي بالبطل الفرعون وتفصل له الأشياء، وتجعل كل الآحاد والوقائع تخدم بطولته.
لم يكتف المسلسل بأن كثف القيم وأبرز جماليتها وتأثيرها في حياة الناس بل ذهب لإعطاء القيم سلطانا ماديا بأن جعل لها مرجعيات من أشخاص يعرف كل واحد منهم دوره ومهمته..وفي إشراقة جديدة تنكشف العناصر الحقيقية في شخصية من سيتولى موقعا قياديا في الحارة أي في المجتمع..إنها الشخصية الأكثر عطاء وحرصا على الكل والأكثر حزما وحكمة..وعالم الدين المتدخل دوما بحكمته وبرفقه وبمحبته للجميع وبوقوفه دوما مع كل ما ينفع الناس، ولا يزاحم أحدا موقعه ولا مكانته ولا يتنطع ويأخذ الأمور باللين والرأفة.. وكانت قضية الانتماء للمجموع مسألة مقدسة وردع المظالم الداخلية عملية متواصلة يتوافق عليها كل رؤوس المجتمع .. كما لم يغب عن العمل الدرامي الكبير الإشارة إلى قضايا عربية معاصرة فلقد كان الجزء الأخير الذي عرضت حلقاته في رمضان المنقضي تعالج موضوع الحصار في إشارة لا تخفى دلالتها وكان الشبه كبيرا بما يحصل لغزة المحاصرة..وفي حلقات هذه السنة هناك إبراز لخطورة دور الانتهازيين عملاء الأعداء وكيف يتحركون لتفجير التناقضات في المجتمع وكيف يعملون على نشر العمالة والفساد .
إلا أن العمل مع قدرته الفائقة في الاقتراب من هم واهتمام المواطن العربي كان منصبا على مرحلة هي في ذيل حضاري أي في أواخر العهد العثماني، وبداية الاستعمار الفرنسي، فمع عظيم ما في المجتمع من قيم يتشبث بها الناس، إلا أن هناك عناصر خلل حقيقية هي التي جعلت من هذه القيم مجرد فلكلور ليس له في حياة الناس اليوم أكثر من الحنين والحسرة ولأنها كانت ليس أكثر من فلكلور كان انهيارها مدويا ليسقط المجتمع فيما بعد وكأنه لا يحمل من تلك المرحلة سوى الذكريات.
ففي المسلسل غابت قيمة الثقافة والعلم والصناعة وكانت العزلة سمة واضحة إلى حد كبير .. فلقد أصبحت الفتوة والنخوة والبنية الجسدية والشوارب والتلويح بالخنجر والانبراء بنبرة صوت متميز بديلا عن الوعي والثقافة والتخطيط والبناء التركيبي .. فلم تظهر في المسلسل مؤسسات التعليم والقضاء والبناء والصناعة .. لم تظهر قيم الوقت والعمل والإنجاز، حتى لكأن كثيرا من شخصيات النخبة لم يكن لها إلا التمظهر بأدوارها، فلقد كانت القيم استعراضية أكثر من كونها مبنية على وعي بما لها من مردود حضاري.
ثم إن النموذج الذي عرضت فيه علاقة الرجل بزوجته المهددة دوما بكلمة (طالق) وإلقائها في زاوية الحريم يعني بوضوح مدى تأثر المجتمع العربي بالثقافة التركية المتمثلة في زمن الحريم وعلاقة الرجل بالمرأة.
لقد غاب دور المرأة الاجتماعي السياسي إلا في حالة نادرة كما فعلت أم جوزيف مع أهمية الإشارة إلى عملية الوحدة الوطنية، وهنا حدث خلل في سياق البناء إنه غياب النموذج العربي عن التمثيل، والخلل هنا ليس بالضرورة فنيا، بمعنى لم يصب به العمل الفني من نقص أو قصور إنما هو على الأرجح في توصيفه بنية المجتمع العربي المعاصر، حيث تردى دور المرأة العربية كثيرا، لاسيما في الحياة التقليدية، فلقد أصبحت المرأة رهينة بالحماة وحكاوي النساء مستلبة إلى زوجها وكأن لا شخصية لها وكل ما عليها أن تلبي للزوج بدون أدنى حق في إبداء الرأي، أما هو فلا يتكلم إلا حازما ممتقع الوجه، وله إصدار الأوامر التي ينبغي أن تنفذ فورا .. لقد تجلى في عهود عربية سابقة في الجاهلية والإسلام، سواء حضور المرأة على قدم المساواة قيادة ورأيا في المجتمع في شتى المكونات الحياتية..
لقد كان العمل الفني (باب الحارة) رائعا لكنه أيضا خطير لأنه لم يقدم نقدا علميا مهما لتلك المرحلة بل قدمها على أنها نموذج رائع حببها لجماهير العرب، لقد كان عليه أن يبرز جانبا آخر، ولو محدود يمثل المطلوب حضاريا ويدخله في جدل مع الوضع القائم، وذلك نقدا للمرحلة التي عاينها.. كان عليه أن يبرز جدلا بين الموروث من القيم والمراد فعله لمواجهة تحديات العصر، فليس من المعقول أن يجعل النخوة والغيرة هي الأسلحة الناجعة في مواجهة أساليب الأعداء في الحصار والحرب والمؤامرة ..كان لابد أن يكشف عن وهن المقاومة عندما تفقد العلم والتكنولوجيا والإدارة العلمية الناجعة ..ولأنه لم يفعل ذلك أصبح وكأنه يروّج لوجهة نظر متخلفة وهو بلاشك ليس كذلك.