الرأي

باب الحارة ينتصر على المثقفين!!

مروان ناصح
  • 9850
  • 19

في اتصال هاتفي مع المخرج المبدع بسام الملّا الذي بات يعرف جماهيرياً وعلى امتداد العالم العربي بمخرج “باب الحارة” جرى حوار بيننا حول نص مسلسل كان قد كلف أحد الكتّاب بإعداده، قبل أن يغادر الشركة التي كان يدير شؤونها الدرامية، وتسلمت أنا بعده هذه المهمة، وخلصت في ختام هذا الحوار الهاتفي إلى الرأي التالي:

النص مهلهل البناء، والرؤية فيه غائمة.

تلقى المخرج “بسام الملا” ملاحظتي بصمت طويل، وحين تكلم، لم يفاجئني قوله بلهجته المهذبة جداً، وثقته الدائمة بنفسه، تلك التي يستمدها من رصيد يتمثل في أعمال عدة لا ينكر أحد جماهيريتها الواسعة:

.

لم أقرأ النص طبعاً .. ومع احترامي الشديد لرأيك، فإني أخشى أن يكون حكمك هذا نابعاً من رؤية “المثقفين”.. فأنتم – المثقفون _ لنا معكم نحن -جماعة الفن الشعبي البسيط- مواقف، بل معارك مشهورة .. ألا تذكر؟!

وأغلقنا الخط، ولكنَّ صدى تعليقه أيقظ في ذاكرتي وقائع عديدة في تاريخ الدراما السورية، تتعلق بالنصوص الدرامية، والشعبية أو “دراما البيئة الشامية” منها على وجه خاص، لطالما كنت مشاركاً فيها، أو شاهداً متابعاً لكثير منها .. وكان قطبا الصراع يتمثلان فيما عرف بـ “المثقفين” من جهة، و”الحرفيين” من جهة ثانية، وكان فريق المثقفين يتألف أولاً من قراء النصوص الذين يتمركزون في دائرة الرقابة والتقويم الفكري .. الدائرة التي تملك حق إصدار القرار بقبول النصوص أو رفضها، ومعظم هؤلاء القراء من المثقفين المعروفين في سورية، ومن مبدعيها المشاهير .. فمنهم الشاعر، والكاتب الروائي، والصحفي المشهور، والناقد الأدبي، والدارس الأكاديمي المتخصص في فن كتابة السيناريو في معاهد دولية مشهورة، والمخرج الأكاديمي حامل شهادة الاختصاص من جامعات معروفة خارج البلد أيضاً .. وهكذا فقد نشأت الدراما التلفزيونية وترعرعت في حضن المثقفين، لاسيّما الجانب المتعلق بالنصوص الدرامية أو السيناريوهات .. وكانت أذواق هؤلاء المثقفين هي التي تتحكم بمستوى الأعمال المنتجة في مديرية التلفزيون الرسمي على الدوام .. ولم تضعف قبضة “دولة المثقفين” على الدراما السورية إلا بعد أن ولد القطاع الخاص، وتكاثرت الشركات المنتجة، وتصاعدت المنافسة فيما بينها على التجديد والتجويد، واكتساب الأسواق الخارجية .. أمّا “حزب الحرفيين” أو “أبناء الكار” أو “أبناء المهنة” فكان يضمّ تحت جناحيه أرتالاَ غير متجانسة من العاملين في الوسط الفني، في مقدمتهم الممثلون القدامى من ذو التاريخ المشهود له في المسرح الشعبي، ثم المسرح القومي، ثم في الدراما الإذاعية، وأخيراً التلفزيونية، عند نشوء التلفزيون، ومعظم هؤلاء ممن دخل الفن هاوياً، وشقّ طريقه بالعرق والدموع. يلي هؤلاء الممثلين عدد من المخرجين الذين بدؤوا هواة أيضاً، وتدربوا على أيدي بعض المخرجين القلائل الذين سبقوهم في الهواية والخبرة العملية، أو ممن خضعوا لدورات تكوينية سريعة في فن الإخراج، قبيل افتتاح التلفزيون، هنا أو هناك من دول العالم .. يضاف إلى هذا الفريق أيضاً عدد من الكتّاب الوافدين من عالم الكتابة للمسرح الشعبي الذين كانوا يسيرون على خطى الفنان والكاتب الشعبي المبدع “حكمت محسن” المشهور بلقب “أبي رشدي”. وإلى فئة الهواة الموهوبين الذين بدؤوا مسيرتهم الإخراجية من أسفل السلم، ينتمي المخرج الكبير بسام الملا.. فقد دخل عالم التلفزيون من باب “وظيفة” إدارية متواضعة .. ولكنه وجد فرصته في أن يتعامل مع أدوات الفن التلفزيوني، ربما بمصادفة عجيبة، التقى بعدها بمخرج وكاتب مسرحي من أوائل الفنانين المثقفين أصحاب المشاريع والأحلام الفنية الكبيرة، هو المخرج الكبير “علاء الدين كوكش” فعمل معه مساعداً في أعمال تلفزيونية متنوعة، وعلى مدى سنوات عديدة، ليستقل عنه بعدها، ويبدأ في رسم الملامح الخاصة لمشروعه الدرامي الشعبي بامتياز .. الذي لم يلبث أن اتسع وتبلور على أيدي مخرجين آخرين، ليصبح لوناً مميزاً من ألوان الإنتاج الدرامي السوري، ويحمل عنواناً كبيراً هو “دراما البيئة الشامية” وهو العنوان ذاته الذي حقق انتشاراً واسعاً وعميقاً في البيئات والبلاد العربية كافة، ونال إعجاباً منقطع النظير من مختلف شرائح المشاهدين العرب في بلادهم والمغتربات الأجنبية، بصورة فاقت كل توقعات أهل المهنة، وأدهشت النقاد والمتابعين، لاسيما “المثقفين” منهم!! هؤلاء الذين أشار إليهم المخرج بسام الملا في حديثنا الهاتفي .. وذكرني بمعاركه هو، ومعارك الكثيرين من “الحرفيين” معهم، حول قيمة عدد من النصوص الدرامية التي شدد “المثقفون” على رفضها، وبالغوا في بيان عيوبها ووجوه النقص فيها، عندما كانت مجرد مشاريع مدونة على الورق، بينما تشدد “الحرفيون” في التمسك بها، وراهنوا على نجاحها، واحتكموا إلى العرض الجماهيري الذي لم يخذلهم، ووقف إلى جانب رؤيتهم ودعواهم .. وكان مسلسل “باب الحارة” النموذج الأكبر والأوضح، لانتصار رؤية “أهل الحرفة” على رؤية “أهل الثقافة” من صناع الدراما التلفزيونية السورية!!.

مقالات ذات صلة