بارونات الدبلوماسية.. والفيلسوف الذي اعتذر عن موته
بعد استقراري النسبي بالعاصمة لندن انطلاقا من شهر أفريل من عام 1986 بدأت ألتقي بعدد قليل من الجزائريين والجزائريات، أغلبهم كانوا طلابا وطالبات أرسلتهم الدولة الجزائرية لمواصلة تعليمهم العالي في جزيرة الضباب. لقد تركزت لقاءاتي على هؤلاء الطلاب، وعلى عدد من الجزائريين العاملين في الصحف العربية وكان ذلك بدافع محاربة قسوة الغربة التي بدأت تزحف على تضاريس قلبي من جهة، ومن أجل التعرف عن قرب على تجارب أبناء جلدتي من جهة أخرى.
من بين الأسماء التي جمعني بها الود أذكر صديقي القديم – الجديد حسن بهلول الذي كان يعد أطروحة ماجستير فلسفة في الاعلام بجامعة “سيتي” الواقعة ببلدية إزلينغتن بشمال لندن، وحسن زيتوني الذي شغلته أطروحة الدكتوراه عن الوسائل الحديثة في الاعلام التلفزيوني بجامعة “ليستر” بالشمال الأوسط بإنكلترا، وشابة اسمها شاهيناز أعلمتني وهي ضيفة عندي بمكتبي أنها جاءت من الغرب الجزائري لإعداد أطروحة في الميدان الاعلامي أيضا. وبالصدفة فقد حصل لي أن التقيت بسفير الجزائر لدى بريطانيا في ذلك الزمان وهو السيد عبد الكريم غريَب، وتم اللقاء خارج إطار البروتوكول الديبلوماسي. أثناء ذلك اللقاء تحدثنا قليلا عن ظروف حياة الجالية الجزائرية المقيمة ببريطانيا والتي كان عدد أفرادها قليلا جدا في ذلك الوقت واقترحت عليه أن يعمل معهم على تشكيل جمعية ثقافية جزائرية في لندن أسوة بما فعله اللبنانيون والسوريون والمصريون والخليجيون .
وبالفعل فقد استجاب شفويا لمقترحي ولكنه في اللحظة الحاسمة انسحب من المشهد دون أي مبرر معقول. بالبداهة والتجربة كنت أعرف أن السفارة الجزائرية لم تكن بها إطارات مثقفة يمكن أن تقوم بالنشاط الثقافي والفكري والإعلامي والفني للتعريف بالثقافة الجزائرية في المهجر البريطاني. لقد كان ذلك ولايزال نقصا فادحا فعلا وعادة سيئة في سلكنا الدبلوماسي الذي لا توجد لديه الكفاءة الفكرية والثقافية مع العلم أن الملحق الثقافي في السفارات الجزائرية ليس سوى مجرد إداري متعلم لا يملك الكفاءة والخبرة والبرنامج في المجال الثقافي.
أما الملحق الإعلامي المعين في السفارة الجزائرية بلندن فلم ينجز بدوره سوى كتابات التقارير السرية للجهات الحكومية حول ما كانت تنشره وسائل الإعلام البريطانية والعربية. لقد اعتقدت أن تشكيل جمعية ثقافية جزائرية ببلاد الانكليز يسيرها ويحرك نشاطاتها الطلاب والطالبات والإعلاميون والإعلاميات أمر ضروري لخلق جسور التعارف بينهم من جهة، والتعريف بالجزائر ثانيا لدى البريطانيين والجاليات الأجنبية، غير أن السفير عبد الكريم غريب لم يعط لهذا المشروع أي اهتمام ملموس وعملي، وهكذا تبخر المشروع الذي اقترحته عليه قبل أن يصبح نطفة في الرحم. وبهذا الخصوص أدركت أن الدبلوماسية الجزائرية لم يكن لها أي مشروع إعلامي في الغرب
فضلا عن المشروع الثقافي أو الإعلامي الذي يمكن – لو أسس على قواعد سليمة – أن يضع صورة الجزائر بكل قسماتها التاريخية والثقافية والفنية والسياحية أمام الرأي العام البريطاني بكل تنوع جالياته التي تربو عن 33 قومية. إن هذا النقص الفادح لا يزال قائما إلى يومنا هذا علما أن الثقافة والفكر والإعلام والفن في مجموعها هي السفير الحقيقي لأي شعب ولأي وطن.
إلى جانب ما تقدم فقد حدث لي عن طريق الصدفة واللقاءات العفوية أن تعرفت على مجموعة أخرى من الطلاب والطالبات الجزائريين والجزائريات الذين لم يسبق لي أن رأيتهم من قبل في حياتي. لقد حدثني هؤلاء ومن كانت لي معرفة مسبقة بهم عن ظروفهم المادية الصعبة بسبب عدم تحويل الجهات الجزائرية المسؤولة، وفي صدارتها سفارة الجزائر في لندن، للمبالغ التي كان من المفروض أن تدفع لهم شهريا في صورة منح دراسية.
بعد الاستماع إليهم عدة مرات أدركت أن المسؤولين بالسفارة كانوا يقدمون لهم منحهم حسب المزاج وبالإقساط غالبا وبعد مرور عدة شهور، الأمر الذي كان يعقد أوضاعهم الدراسية والاقتصادية والنفسية. شعرت أنه من واجبي أن أرفع صوتي لتغيير هذا الوضع السيئ، وهكذا قمت بتحريات حسب امكاناتي وما توفر لدي من معلومات كانت جد شحيحة عن حيثيات هذه القضية.
بعد البحث والتنقيب لعدة أسابيع وبمساعدة بعض العارفين بثقافة البنوك وبعض الطلاب الجزائريين أنفسهم توصلت إلى نتيجة وهي أنَ المسؤولين الجزائريين عن منح تلك الإرساليات الطلابية كانوا يضعون الرأسمال الإجمالي لتلك المنح التي تقدر بمئات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية في “حسابات الادخار” ببنوك المملكة المتحدة البريطانية ويجمدونها لمدة معينة تفي بالغرض “لتبيض”ما تيسر لهم من الفوائد بالعملة الصعبة وعندئذ يقومون بتحويل تلك الفوائد في ليلة المعراج المالي إلى حساباتهم الخاصة في سرية تامة.
لقد كان هذا هو سبب تأخير صرف منح الطلاب في الوقت المناسب. ومما زاد طين الطلاب والطالبات تصحَرا وجفافا هو أنهم لم يكونوا قادرين على فعل أي شيء لوضع حد لهذه المشكلة التي كانت تؤرقهم وتنغص دراستهم سوى مراجعة المصالح الادارية المعنية بشؤونهم في القنصلية وفي السفارة الجزائريتين معا بدون أي نجاح يذكر. وفي غالب الأحيان فإن الذي كانوا يقبضونه لم يكن يتعدى أوراق خريف التسويف، وزبد الكلام المعسول الذي يدخل في طقوس الألاعيب التي لا أحد ينافس المسؤولين الجزائريين في إتقان تقنياتها إلاَ الشيطان.
من المعروف أيضا أن الطلاب لم يكونوا يملكون حق اللجوء إلى أي بنك بريطاني لتقديم الشكوى لأنهم لا يعرفون البنك الذي كانت توضع فيه أموال منحهم، كما أن قانون الدولة البريطانية لا يسمح لأي مسؤول في أي بنك بتقديم المعلومات المتعلقة بمثل هذا الأمر بالذات، أو الكشف رسميا عن أموال وحسابات الأفراد أو المؤسسات أو الدول. بعدها قمت بكتابة مقال حول هذا الموضوع ونشرته على صفحات مجلة “الدستور”، وبالفعل فقد أثار ذلك المقال الشبيه بالتحقيق بخصوص هذه القضية الكثير من الغبار ووجدت نفسي أمام سيل من المكالمات الهاتفية المعبأة باللوم، وأحيانا الوعيد وأطلق كل ذلك ضدي بارونات القنصلية والسفارة، وكنت أرد على هذا البارون أو ذاك بقولي المختصر جدا: “إن الذي في حسابه تبن لا يخاف من اشتعال النار فيه”
وهكذا لم يكن ذلك الصراع مع هؤلاء سوى بداية لسلسلة صراعات نشبت بيني وبينهم فيما بعد بسبب كتاباتي الإعلامية النقدية للواقع الجزائري الذي كان الحزب الواحد يخنق أنفاسه.
مع الوقت اكتشفت أن بارونات السفارة والقنصلية قد شرعوا في إرسال التقارير إلى وزارة الخارجية بالجزائر كما أرسلوا نسخا منها إلى الجهات الأمنية لتضاف إلى ملفي القديم الذي أصبح ينمو ويتضخم في رفوف الجهات المختصة. ولقد تجمعت كل هذه التقارير القديمة والجديدة وأفضت جميعا إلى حرماني لمدة طويلة من تجديد جواز سفري من طرف القنصلية الجزائرية بعد انتهاء صلاحيته وعندما كنت في حاجة ماسة للسفر إلى باريس لكي ألتقي بالفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوطار الذي حددت معه موعدا في بيته قصد إجراء حوار فكري معه لأضمه إلى مشروعي الأكاديمي الذي كنت منخرطا فيه في ذلك الوقت بـ “جامعة شرق لندن” للحصول على شهادة الماجستير في الدراسات الثقافية والفكرية. لقد بذلت كثيرا من الجهد لكي أقنعهم بأن النقد الذي كنت أمارسه في الصحافة المهاجرة لا ينبغي أن يحرمني من حق المواطنة ومن تجديد جواز سفري ولكن لا أحد منهم استمع إلي.
في تلك الفترة قد حصل أن جاء الصديق الشاعر الفلسطيني محمود درويش – الذي كان في ذلك الوقت وزيرا للثقافة في حكومة ياسر عرفات – إلى لندن لإحياء أمسية شعرية بدعوة من الناشر والشاعر والإعلامي اللبناني رياض الريس الذي كان صاحب مكتبة عربية فخمة وفاخرة ببريطانيا.
وفي جلسة جمعتني على انفراد مع درويش بعد أمسيته الشعرية استعدنا ذكريات لقاءاتنا القديمة في الجزائر وفي بغداد وباريس ثم حدثته عن مشكلة جواز سفر ووعدني بحلها مع وزير خارجية الجزائر آنذاك السيد بوعلام بالسايح الذي قال لي بأنه يعرفه وتربطه مودة به. أذكر أنه نظر في وجهي طويلا وتنهد قائلا : “آه .. ثم آه يا وطن” . بعد عودة محمود درويش إلى باريس انتظرت طويلا مكالمة منه وخبر حل المشكلة دون جدوى، وعندما استوطن شبح اليأس في كريات دمي كلمته هاتفيا وتحدثنا بخصوص القضية وبذكائه المعتاد كرَر درويش على مسمعي مرة أخرى نفس الجملة: “آه ثم آه يا وطن”.
وبدون أي تعليق مني على كلامه شكرته على محاولته فأدرك أنني فهمت بالحدس ما حدث للمحاولة التي بذلها مع وزير الخارجية الجزائري. في تلك الفترة الزمنية كنت أتصل أسبوعيا بالفيلسوف جان فرانسوا ليوطار لأعلمه بالجهود التي كنت أبذلها لكي يتحقق اللقاء بينا.
وفي أحد الأيام اتصلت برقمه فإذا بزوجته تجيبني بدلا منه، وحينما طلبت منها إحالتي على زوجها الفيلسوف وصديق النضال التحرري الجزائري قالت لي والدموع تبتر أوتار صوتها: “هو مات، ولكنه ترك لي وصية لك وهي أنه يعتذر لك كثيرا على عدم اللقاء معك” قدمت لها التعازي، وبحزن ثقيل يتسرب إلى قلبي وضعت سماعة الهاتف ثم أحسست بالدموع تسيل على خدي فالتصقت بالمرآة الكبيرة الموضوعة أمام مكتبي حتى لم أعد أراها أو أرى نفسي.