الرأي

باعٌ طويل يسرح بإسلام سياسي قاصر

حبيب راشدين
  • 2249
  • 8

الذي يتابع التجربتين المستدامتين للحكم تحت رايةٍ “إسلامية” في تركية وإيران لا يتفهَّم قلق الغرب من وصول مكوِّنات “الإسلام السِّياسي” إلى الحكم، ولا قلق خصومهم ومنافسيهم في الداخل، إلا أن يكون ما يعبّر عنه من قلق هو استحضارٌ لما عولجت به الأحزاب اليسارية الغربية في القرن العشرين قبل أن تطمئن إلى قوة الدولة العميقة الأهلية في ترويض من يركبها من المتنطعين بالعقائد يمينا ويسارا، وتقييدهم بفرمانات التشريع الدولي الذي يعلو ولا يُعلى عليه.

التجربة الأقدم في إيران، وهي تقترب من الاحتفال بعيدها الأربعين، لم تُحدِث فارقا ذا شأن في إدارة الشأن العام والتنمية، والعدالة، والحكم بما أنزل الله، كما يتوقع المسلم من أيِّ نخبةٍ سياسية تنتسب إلى مرجعية الإسلام، تنتصر للإسلام والمسلمين، وتبتعد عن موالاة اليهود والنصارى “بعضهم أولياء بعض” كما هم اليوم نصارى الغرب والشرق.

وليس في التجربة التركية، منذ حكومة أربكان وحتى زمن أردوغان، ما يعد بقرب تفكيك الدولة العلمانية حتى بعد تطهير الدولة العميقة من الخصوم إثر الانقلاب العسكري الفاشل، فلا يزال الدستورُ علمانيا، ولا يزال البلد يُسيَّر بقوانين علمانية صرفة، وقد تجلت موالاة اليهود والنصارى في تعزيز العلاقات مع الكيان الصهيوني، وفي استدامة العضوية في حلف النيتو، ولا تزال القوة في إيران وتركية موجَّهة حصرا لنحور المسلمين. 

ظاهر الأمر أن الثورة الخمينية قد قضت على العلمانية البهلوية، وتدير البلد بدستور قد طُهِّر من المرجعية العلمانية بقدر يفترض أن يسمح بسن تشريع إسلامي صرف: يحرِّم الربا، ويقيم الحدود، ويسترشد بالفقه الجعفري الإثني عشري في المعاملات، ويستعيد مبدأ استقلال التشريع والقضاء؛ السمة المميزة لنظام الحكم منذ عهد الراشدين وحتى عزل الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد الثاني بداية القرن العشرين، لكن الواقع يشي بخلاف ذلك، حتى أن نظام “ولاية الفقيه” لا يختلف كثيرا عن النظام الملكي في عهد الملكة فيكتوريا، وقد كان لوزيرها الأول دي إسرائيلي فوق ما للرئيس المنتَخب روحاني من سلطات.

أخطر من ذلك أن التجربتين الإيرانية والتركية قد رسَّختا النموذج البرلماني الغربي عوض إحياء مصطلح “الشورى” الذي منح السلطة للمسلمين في اختيار ولاة أمورهم بأمانة العمل بالكتاب والسُّنة، ثم الاجتهاد في ما ليس فيه نصٌّ في ما يسمِّيه الفقهاء بـ”منطقة الفراغ”، بالقدر الذي يحقق للمسلم التوفيق بين تشريع فقهي إسلامي مستقلّ لا يخضع لأهواء الساسة، يترجمه المشرِّع المنتَخب إلى قوانين كما صنع السلطان عبد الحميد في مدوَّنة  “الأحكام العدلية”.

وإذا كان هذا حال “أنجح” تجربتين لنظامين يدَّعيان العمل بمرجعية الإسلام، فهل ننتظر من وصول بقية الأحزاب الإسلامية إلى السلطة أكثر مما أنجزه نظراؤهم في إيران وتركية والعراق وتونس والمغرب؟ أم أن مآلهم ـ في عالم سلطة السُّوق والمال وأربابه فيه أقوى من سلطة المنتَخبين ـ لن يختلف عن مآل الأحزاب اليسارية الاشتراكية والشيوعية التي دخلت سرا بيت الطاعة بحيلٍ من الدولة الأهلية العميقة وحبل من الدولة العالمية العميقة المتحكِّمة في مؤسَّسات صناعة التشريعات الدولية التي تعلو ولا يعلو عليها أيُّ تشريع أو سلطة أهلية؟

مقالات ذات صلة