بالرزانة تنباع الصوف!
مصيبة بعضنا أنـّهم يختلفون ويتخالفون بعنف وحقد، وبعضنا يكاد يكفر بالاختلاف والخلاف السلمي والهادئ والحكيم، الذي ينتهي ويتوّج بالحلول والبدائل والاقتراحات الممكن تنفيذها، بدل الغرق في التراشق بالاتهامات والادعاءات والمزاعم والقذف والسبّ والتحامل، والمثل يقول: “بالرزانة تنباع الصوف”!
عندما نشخـّص حال وأحوال طبقتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والمهنية والرياضية، فإن أغلب المتخالفين والمتهارشين والمتنابزين، يملأون الساحة ضجيجا وأصواتا مرتفعة، تحجب الرؤية عن الملاحظين، وتمنع الرأي العام من دقة المتابعة والرغبة في المتابعة، وذلك نظرا لغياب التشويق والتسويق الهادئ لما يُقال وما ينبغي قوله وتصديقه!
عندما يُدافع بعض الأجانب، عبر قنوات فضائية غربية أو عربية، عن الجزائر، حتى وإن كانوا منتفعين منها، أو يُدافعون عن مصالحهم بها، أكثر ممّا يُدافع عنها بعض الجزائريين، فهنا ينبغي دقّ ناقوس الخطر، ليس لمدح هؤلاء والتشكيك في أولئك، ولكن لإعادة النقاش إلى مساره الطبيعي بعيدا عن التطرّف والغلوّ والضغائن وحوار الطرشان!
المشكل ليس في المعارضة أو الانتقاد أو الهجوم أو فضح الملفات المستترة أو كشف المستور أو نشر الغسيل و”التبهديل”، ولكن الإشكالية في طريقة وصيغ و”فنون” ممارسة كلّ هذه المكاسب بطريقة ديمقراطية وحضارية خالية من البهلوانية واستعراض العضلات وتصفية الحسابات وأكل الشوك بأفواه الآخرين والتشكيك وتسويد كلّ شيء بغرض زرع اليأس والقنوط!
من حقّ هؤلاء وأولئك أن يدلوا بدلوهم في كلّ صغيرة وكبيرة، وفي كلّ صوب وحدب، لكن دون الوقوع في فخاخ التجريح والإساءة والإهانة واستهداف استقرار وأمن ووحدة وسيادة الجزائر التي تبقى ملكا متوارثا لكلّ الجزائريين، بما يمنع من التلاعب بهم!
نعم، “ما يحسّ بالجمرة غير ألـّي كواتو”، وفي كلّ الأحوال، لا ينبغي أبدا الانحراف والانزلاق نحو مستنقعات لا تفيد ولا تنفع، ولا طائلة من وراء استوديوهات أجنبية حاقدة تعلـّب الفتنة والقلاقل وتبثّ سمومها عبر الساتيليت، مستهدفة تارة عقول الجزائريين، وتارة أخرى تماسكهم واتفاقهم على قضايا لا تقبل التناطح والنزاع والصراع!
أحد الشيوخ الحكماء قالها وهو يسير في الشارع، بكلّ عفوية وتلقائية: “ياو أحنا جزائريين بلا مزيتهم”، وقد أطلق هذه الرصاصة باتجاه الأصوات التي تحاول يائسة بائسة تصدير الرعب والريبة والقلق لجزائريين يعيشون بـ”الزلط والتفرعين” ويُدركون متيقـّنين أن الجزائر هي بلد مؤسسات.
الجميع في حاجة، خاصة في الظروف الخاصة والاستثنائية، ليس إلى من يعبث، وإنما لمن يبعث التفاؤل والأمل والشعور بالطمأنينة، وجميعنا ليس بحاجة إلى دعاة التفرقة وغلاة التيئيس والإحباط ونشر الكراهية والتخويف “ممّا هو قادم”، لأن الله وحده هو من يعلم الغيوب وما في القلوب.
هناك أوقات ومراحل حسّاسة -ولا نقول خطيرة- تتطلّب من أبناء البيت الواحد، حدّا أدنى من التوافق والاتفاق، وإن كان الاختلاف رحمة، لكن لا يجب بأيّ حال من الأحوال أن يتناقض ويتناحر الأبناء حول قضية عليها أن تجمع ولا تفرّق الشمل، وقديما قالوا: “أنا وأخويا على ولد العمّ، وأنا وولد العمّ على الغريب”!