بحث أنتروبولوجي يرميه المجتمع في البحر
بالتأكيد لم تكن الباحثة الجامعية الدكتورة مريم بوزيد سبابو تعرف أن كتابها الموسوم “ننّ كيل سبّيبه.. في معنى شعيرة عاشوراء بواحة جانت” سيحدث كل تلك الضجة التي أحدثها بسبب بعض الأعراف الاجتماعية في منطقة جانت التي تناولتها الباحثة وحاولت الرجوع إلى أصل تلك الأعراف الاجتماعية، إلى درجة أن حوّلت التهديدات هذه الباحثة إلى لاجئة بالجزائر العاصمة رفقة عائلتها، ويدفع وزارة الثقافة إلى أن تأمر بسحب نسخ الكتاب، وتسارع الوزيرة إلى التنقل إلى المنطقة ودعوة عدد من شخصيات منطقة جانت للعمل على تهدئة الخواطر والنفوس.
الكتاب الذي أشرنا إلى عنوانه أعلاه صدر عن المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ علم الإنسان والتاريخ ضمن العدد 19 من سلسلة مذكرات يشرف على إصدارها هذا المركز الذي يتبع وزارة الثقافة.
وبغض النظر عمّا أثاره الكتاب من عواصف لدى سكان جانت، فهذا لا يمنع من أنّ الباحثة لم تقم سوى بالحفر في تراث اجتماعي وأنثروبولوجي يميّز أولئك السكان، والبحث العلمي كما هو معروف، لا يطيب الخواطر ولا يعمل على مسايرة رغبات الناس أو حتى الباحثين الذين لا يخضعون سوى للحقيقة العلمية المجردة بغض النظر عن كونها جاءت موافقة لأهوائنا أم خالفتها.
ومن جملة ما جاء في هذا الكتاب وأثار حفيظة سكان جانت الجملة التالية التي أوردتها الباحثة بعد رحلة بحث شاقة “..هذا العوز الذي جعل نساء من جانت يتزوجن بفرنسيين طلبا للمأكل والملبس، أو أدّى ببعضهن لممارسة الدعارة مع الجنود الفرنسيين..”.
وإضافة إلى الكم المعتبر من المعلومات التي أوردتها الباحثة ضمن دفتي هذا الكتاب المثير للجدل، فإنها أرفقت هذا الجهد الهام بالنسبة لكل المهتمين بتاريخ جانت القريب أو البعيد، بالكثير من الصور الفوتوغرافية التي توثق مختلف الطقوس والألبسة وتسريحات الشعر والآلات الموسيقية والأشعار التي تميّز سكان جانت. ولم تقف المؤلفة عند حدود جمع ما استطاعت جمعه من عادات وتقاليد تخص هذه المنطقة، بل راحت توثق الكثير مما توصلت إليه من خلال الرجوع إلى أمهات المؤلفات التراثية العربية كالكامل في التاريخ لابن الأثير ووصف إفريقيا الشمالية للإدريسي، إضافة إلى عدد معتبر من المؤلفات الأجنبية، ولم يكن من الفخر أو من قبيل طلب الشهرة عندما تقول المؤلفة على الصفحة الأخيرة من الكتاب ما يلي: “..سنحاول دراسة الظاهرة لأول مرة بمقاربة أنثروبولوجية ثقافية رمزية مع تبيان أهمية الظاهرة كحالة فريدة في الجزائر بشماله وجنوبه، وهذا من خلال استمرارية الاحتفالات العاشورية الأخرى الموجودة هنا وهناك..”.
وليس من الغريب أن يتضامن العديد من المثقفين الجزائريين مع هذه الباحثة في مواجهة هذه المضايقات التي تعرضت لها، لكن تشاء الأقدار أن تتزامن عملية سحب هذا الكتاب ومنعه مع الزوبعة التي أثارتها تصريحات الروائي كمال داود واستدعت تضامنا من العديد من المثقفين الذين استنكروا عملية إهدار دمه واعتبروا ذلك حجرا على حرية الرأي التي عانت منها الجزائر سنوات التسعينيات، في حين أن قضية الدكتورة مريم بوزيد سبابو مرّت دون أن تثير ما تستحق من ردود فعل، فهل نحن أمام كسل ثقافي، أم عملية انتقائية مفضوحة؟..
النائب عن منطقة جنات إبراهيم طوهرية:
النواب لم يطلعوا على مضمون الدراسة والقرار بيد الوزيرة
اعتبر النائب بالمجلس الشعبي الوطني الممثل لمنطقة جنات، طوهرية إبراهيم، أن قرار سحب كتاب “تين كيل سبيبة”، الذي أثار مؤخرا جدلا واسعا للمؤلفة مريم بوزيد سبابو، راجع إلى وزيرة الثقافة، نادية لعبيدي، فهي المخولة الوحيدة في اتخاذ قرار بهذا الخصوص.
وأضاف النائب، في تصريح لـ “الشروق” أمس، أن النواب لن يتدخلوا في الموضوع مادامت وزيرة الثقافة قد وعدت بتسوية الجدل الحاصل في الدراسة، مؤكدا أن القضية تم تحريكها من طرف المعنيين الذين أكدوا أن هذه الدراسة فيها إساءة إلى أهل مدينة جانت عامة، خاصة وفيها طعن شرف نساء المنطقة، وعرش “تغورفيت” بمدينة جانت، حسب الرسائل التى رفعها المعنيون إلى وزيرة الثقافة، معتبرا أن الجدل الذي وقع بسبب هذا الكتاب الذي لم يطلع عليه الكثير من النواب جعل من الصعوبة أن يقدموا أي مساءلة بهذا الخصوص، في ظل غياب رؤية مسبقة بخصوص حيثيات ومضمون الدراسة المثيرة للجدل.
خواطر حول علاقة الرأي العام بالبحث العلمي
بخصوص موضوع “تَنْ كِيلْ سَبَّيْبَة”
اطّلعنا في جريدة الشروق ليوم 3 / 12 / 2014 في الصفحة الثقافية على خبر يؤكد بأن أعيان وشباب حي الميهان، بمدينة جانت بولاية إيليزي قد رفعوا إلى الوزير الأول رسالة، كما رفع المجتمع المدني من مختلف الفئات للسلطات العليا للبلاد لائحة تنديد واستنكار ضدّ الكاتبة مريم سبابو، مؤلفة كتاب “تن كيل سبّيبة: في معنى شعيرة عاشوراء بواحة جانيت”، وتفيد الرسالة بأن الكتاب يطعن في شرف السكان ويتعرض بالقذف في أصولهم إلخ.. يثير هذا الخبر عدة خواطر وتساؤلات؛ نذكر بعضا منها.
1 – على ماذا اعتمد من قاد هذه الحملة ضدّ الباحثة ليصدر مثل هذا الحكم في حقّها؟ يبدو أن هناك عبارات في الصفحتين 67 و137 تمّ تأويلها على أنها تُسيء لأصول جماعة سكان جانيت، تم عزلها عن سياقها وقُدِّمَتْ للسكان الذين لا يمكنهم أن يقرأوا الكتاب كله المكون من 270ص بالبنط الدقيق، خاصة وأن الرسالة وكذلك العريضة موقعة من طرف عدد كبير منهم من المؤكد أنهم لم يقرأوا الكتاب. تذكر عبارات ص67 أنّ الظروف الاستعمارية دفعت نساء من جانيت إلى الزواج من فرنسيين طلبا للمأكل والملبس، وأدّى بالبعض منهن إلى ممارسة الدعارة. وتشير عبارات ص137 إلى أسطورة ذكرتها مراجع اعتمدت عليها الباحثة في تفسير ظاهرة القناع التارڤي تقول الأسطورة “بأنّه في زمن النبي موسى حبلت أختان بتدخّل من الشياطين، وكلّ واحدة منهما وضعت طفلا، أحدهما كان جدّ البربر والآخر جدّ التوارق، وكان لهما رأسا جانّيين وأجساد بشر، ولأنهما كانا بشعين لم يتمكّنا من إيجاد زوجات ترضى بهما. شفق أحد العرب لحالهما وساعدهما في مشروعيهما بتغطية وجهيهما”.
إذا تأملنا هذه العبارات في سياقها، وعرفنا طبيعة البحث الذي قامت به مريم بوزيد سبابو، يزول اللبس، وتأخذ هذه العبارات حجمها الطبيعي وتُفْهَمُ فهما مناسبا لا يمكن أن يؤدي لمثل هذه الاتهامات الخطيرة الموجهة للباحثة. جاءت عبارات الصفحة 67 في سياق الحديث عن الممارسات الاستعمارية في مختلف مناطق الجزائر، والجميع يعرفها وتذكرها الوثائق من بينها القتل والتشريد والاغتصاب والتسبب في مظاهر الانحراف الاجتماعي كالتسول ومسح الأطفال الأحذية والدعارة الخ… ويتذكّر الجزائريون أن أغلب المدن الجزائرية في فترة ما بعد الاستقلال كانت توجد بها بيوت للدعارة. وهو أمر لا ينقص من قيمة المجتمع الجزائري، بل يؤكد حقه في الثورة على المستعمر ويجعله فخورا بالتضحيات التي بذلها بنوه وبناته. ولا أظنّ أن مجتمع جانيت يرضى أن يكون استثناءً، من هذا الأمر، فيرفض الاعتراف بما فعله الاستعمار في جميع ربوع الوطن. أما بالنسبة لعبارات ص137 فهي تروي أسطورة ذكرتها المراجع، ومعروف أن الأساطير هي من خلق الخيال، وهي موجودة عند جميع الشعوب، ولا تخلو ثقافة محلّية منها؛ فالأساطير التفسيرية التي تقدم تفسيرا لظاهرة ما (وهي هنا القناع التارڤي) معروفة في الدراسات الميثولوجية والأنثروبولوجيّة، وهي من ابتكار خيال الجماعات في مراحلها البدائية الأولى، ولا أظنّ أن مجتمع جانيت يمثّل استثناءً أيضا.
2 – تتطلّب طبيعة البحث الأنثروبولوجي اتصالا بالناس العاديّين ومحاورتهم وتسجيل رواياتهم سواء كانت ذات الطبيعة الخيالية، أم المتعلقة بواقع علاقتهم بالظاهرة المدروسة وبتاريخها المحلّي. وقد أخذت الباحثة آراء المعنيين من سكان جانيت والتي أدلوا بها مشافهة، وكان من بين ما سجّلته؛ أنه “جرت العادة أن يطلب الفرنسيون أن تُقَامَ لهم سبّيبة على مقاسهم، كما هو الشأن لما بعد الاستقلال، إذ يُطلَبُ من القائمين على سبيبة بجمع النساء والرجال لاستقبال الوفود والشخصيات، تحت أشعّة الشمس الحارقة، وفي كثير من الأحيان يتأخر الوفد أو يفضل أن يصل بعد أن تتلطّف الحرارة ويعودون أدراجهم، لكن الوفد قد يستقبل على ضربات تندي”. أشكّ شخصيّا أن مثل هذه المعلومات هي التي أزعجت بعض موظفي الدولة في جانيت الذين هم مسؤولون عن مثل هذا الاستعمال المناسباتي لتظاهرة السبيبة، فأرادوا معاقبة الباحثة على نقلها لما عاناه أهل السبيبة من مثل هذه الممارسات. وحريٌّ بمواطني جانيت أن يساندوا الباحثة في تنبُّهها لهذا الاستعمال الضار بطقس سبّيبة، والذي قد يتسبّب في فلكلرتها وبالتالي زوالها التدريجي.
3 – إن ما يحدث من استنفار للسكان وتأليب لهم للوقوف في وجه باحثة أفنت شبابها وعمرها في العناية بثقافة الأهالي وقدّمت ما استطاعت من نصوص وأبحاث في سبيل تسجيل ممارسة ثقافية متوارثة لها مكانتها في حياة الناس، وتمّ تصنيفها من بين الروائع الثقافية العالمية منذ أيام قليلة، بالاستناد هكذا لبعض العبارات اَلْمُؤَوَّلَة تأويلا خاطئًا وإهمال الكثير من المعلومات والأفكار الإيجابية التي قدّمتها يمثّل استخفافا واضحا بالبحث العلمي، ويكشف عن ضحالة فكر من قادوا هذه المواجهة غير المتكافئة في ظروف سياسية حسّاسة وصعبة يعيشها المجتمع الجزائري، والذي هو في حاجة ماسة إلى تشجيع البحث العلمي في ميدان العلوم الإنسانية، الذي يقوم به أبناؤه اليوم، وكان يقوم به المُستعمِر بالأمس القريب.
4 – إن سكوت الباحثين ذوي المستوى الجامعي الذين يدرسون تراث المنطقة، وخاصة منهم الذين ينتمون إليها عن مثل هذه التصرفات غير المسؤولة التي ترمي إلى التهجّم على البحث العلمي الوطني يمثل موقفا سلبيا، خاصة وأنهم الأجدر بأن يكونوا هم المرجع في تقييم البحث وليس أنصاف المتعلّمين. وإذا ما كانت هناك اعتراضات من طرفهم على ما جاء في البحث فَلِتُنَاقَش الباحثة في الموضوع ويتم استعمال الحجة العلمية بدل الشتم وتأليب الرأي العام.
5 – إن أسلوب تأليب الرأي العام حول كتابات المثقفين والعلماء يؤكّد مقولة أن البحث العلمي الحقيقي يحرج كثيرا من الأطراف التي من مصلحتها أن يظل الناس بعيدين عن العلم وأن تظل الأمية منتشرة بين الناس للمحافظة على المصالح والوضعيات، ونذكر هنا ما جرى لطه حسين في مصر في منتصف العشرينيات من القرن الماضي.
6 – لقد كان الباحثون في الجزائر هدفا مميّزا للظلاميّة الإسلامويّة، فقتل الإرهاب الأعمى خيرة الباحثين الجزائريين في العلوم الاجتماعية والمثقفين خلال العشرية السوداء، من أمثال المرحومين بوخبزة والجيلالي اليابس وبختي بن عودة وعبد القادر علولة والطاهر جعوط ويوسف السبتي وڤنزات رابح وغيرهم، وها هو الوسط البحثي يتعرّض اليوم لاستغلال عواطف الناس لتأليبهم ضدّ ما يخدمهم وما يصبّ في مصلحتهم.
7– يمثل كتاب مريم بوزيد سبابو بحثا أنثروبولوجيا يعتمد على الروايات الشفوية وعلى أشكال التعبير الأدبية وعلى الميثولوجيا، فهو يعالج التاريخ الاجتماعي للمنطقة من هذا الباب، وقد تمّ تأويل ما جاء فيه من قِبَلِ الأهالي وكأنه كتاب في التاريخ، مما سمح بهذه الاتهامات التي تنمّ عن عدم تمييز بين مجالين علميين يختلفان تماما، ولا يمكن قبول الحكم عليه من هذا الباب.