-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بخصوص وجهاتنا ومواقعنا .. التكنولوجيا تجعلنا نكذب

نسيبة علال
  • 686
  • 0
بخصوص وجهاتنا ومواقعنا .. التكنولوجيا تجعلنا نكذب

لطالما كان للخرجات قبل استخدام التكنلوجيا طعم خاص ومميز، الناس يلتقون بتحديد موقع متفق عليه، يحفهم الشوق ولهفة اللقاء، يستمتعون بالأماكن وتفاصيلها دون تضييع الوقت في التصوير وتوثيق أدق اللحظات، لا أحد يسأل عن أحد بالهاتف والرسائل الكثيرة، وليس هناك ما يعكر صفو الرحلة، فإن قررت ألا تعلم أحدا عدت إلى منزلك متى شئت، دون أن يعرف أي كان بوجهتك.

هل كنا نضيع قبل وجود الهاتف والـ GPS

في زمن ليس بالبعيد، كان الناس يتفقون على موعد بالتاريخ والتوقيت والمكان، حتى قبل أيام أو أسابيع، ثم يلتقون دون حتى مكالمة بالهاتف. لقد كان الناس أكثر التزاما بالمواعيد حينها. أما اليوم، وحتى في وجود أسرع وأقوى وسائل التواصل، أصبح البعض يتيه قبل وصوله إلى المكان، لأنه معتمد اعتمادا كليا على توجيه الخرائط الإلكترونية، وعشر مكالمات قد لا تكون كافية حتى يتفق الطرفان، إذ إن أحدهم يؤكد، بل ويحلف بأغلظ الإيمان، أنه يكاد يصل، بينما هو لايزال في منزله يحتسي قهوته.. يقول السيد رابح، المخضرم، الذي عايش الجيلين، جيل “الكلمة” والمواعيد الثابتة، وجيل الهاتف والإخلاف: “تزيد حيرتي يوميا من زمن عشناه نتفق جماعة على اللقاء في مكان ما على الساعة المحددة، نكون قد تعانقنا شوقا بعد أيام من عدم الحديث إلى بعضنا كأصدقاء. اليوم، تبقى لي صديق واحد، أتصل به عشرات المرات، لأرشده إلى مكان ما، فإما يأتيني بعد ساعات وقد أضاع الطريق بسيارته، إما أنه يلغي الموعد عبر رسالة على واتس أب”.

التكنولوجيا تبيح لنا التلاعب تحت مسمى الحفاظ على الخصوصية

تحول الكذب بخصوص الموقع والوجهة إلى عادة لدى الكثير من الجزائريين، ردا على هوس الفضوليين بمعرفة خصوصيات الآخرين، حيث أصبح بعضنا لا يجد أي حرج في أن يخبر أخاه عبر الهاتف بأنه في المنزل، بينما هو متوجه إلى الاستجمام على شاطئ البحر. ولا تخجل المرأة من إخبار صديقتها المتصلة بأنها تزور أمها، بينما هي تجلس مع صديقة ثانية، تتبادلان أطراف الحديث في شقتها المقابلة. مع أن السوشل ميديا كثيرا ما باتت تفضح تلاعبات وكذب الأفراد، بالصور والدليل. هكذا، علمتنا التكنولوجيا كيف نكذب، وأباحت لنا ذلك تحت مسمى الحفاظ على الخصوصية. تقول سماح، 29 سنة: “أعترف بأنني أكذب، أكذب كثيرا (الله يغفر لي)، لا أحب أن أخبر الناس عن موقعي وتفاصيل يومياتي.. لكنني، أتلقى عشرات الاتصالات من والدتي وحماتي وزوجي وزميلاتي في العمل، لا يتركونني وشأني أبدا، يقتحمون خصوصيتي من كل صوب، من الهاتف ومن المواقع. لهذا، لا أرد أحيانا، وأحيانا أقول إنني في المنزل، بينما أنا أقضي الوقت في التسوق أو في الاسترخاء أو مع الصديقات وفي أعمال إضافية”.

تضعنا تحت الضغط وتفقدنا الثقة

من شدة تعوّد الناس على الكذب عبر الهاتف، ضاعت الثقة في المجتمع، إلى حد كبير، فأصبحنا برغم تحديد المواعيد لا ننتظر القادمين، لأنهم خذلونا مرارا، فأصبح حادث المرور، وعطل السيارة، والوعكات الصحية المفاجئة… كذبات تقليدية مستهلكة، يستقبلها الناس ولا يصدقونها، لأنهم معتادون على استخدامها أيضا.

من جانب آخر، تبدو تلك طريقة ناجعة للهروب من الضغط الذي يجد فيه الكثير أنفسهم. يقول داود، موظف بدوام كامل، تتصل بي زوجتي ووالدتي عشرات المرات من الرابعة مساء، كل واحدة تغالي في طلباتها، بعد يوم من ضغط العمل، أحيانا أخبرهن أنني قد أتأخر لساعات إضافية، وأحيانا أتحجج بحادث في الطريق السيار، أو بزحمة الطريق، وأنا أجلس مع الأصدقاء مسترخيا في قاعة الشاي أو حديقة عمومية، أستغل بعض الوقت لنفسي”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!