الرأي

بداية تشقق الهلال الصفوي

حبيب راشدين
  • 5326
  • 0

في لحظة الانتصار ـ أو هكذا كانت تعتقد إيران وهي تسوي خلافاتها مع الولايات المتحدة ـ انبعث من الرماد العفريت العربي مثل طائر العنقاء الأسطوري، في حراك غير متوقع للكيان العربي الرسمي والشعبي، حدث ذلك في اليمن، حيث بدأت عاصفة الحزم تؤتي أكلها، وتستعيد اليمن محافظة بعد محافظة من أيدي الحوثيين حلفاء إيران، ويحدث ما هو أخطر على مستقبل النفوذ الإيراني في العراق وسورية ولبنان، وبداية تفكك ما كان يوصف بالهلال الشيعي الصفوي.

فلبنان الطائفي المذهبي بامتياز، تجوبه اليوم موجة من الاحتجاجات الشعبية، تريد إسقاط الطبقة السياسية الطائفية المتهمة بالفساد، وقد حولت اللعبة الديموقراطية اللبنانية إلى مسخ بثلاثة رؤوس طائفية مذهبية، أفلس لبنان، وجمد مؤسساته، حتى صار بلا رئيس منذ سنة، وببرلمان شبه معطل، وحكومة لا يتوافق وزراؤها حتى على صرف القمامة.

وغير بعيد عن لبنان ينتفض الشعب العربي في العراق، في حراك سلمي بدأ بمطالبة حكومة المحاصصة الطائفية بتوفير خدمات الكهرباء، المعطلة في بلد النفط والغاز، إلى رفع شعار محاسبة الفاسدين، قبل أن تفاجئ الجميع بإشهار شعار “إيران برا ـ برا، بغداد عربية حرة” في ما يشبه الانتفاضة المتأخرة لعرب العراق من الشيعة على ما يشبه الاحتلال الصفوي لبلاد الرافدين.

استفاقة العرب الشيعة أمام الصلف الإيراني، وهو يتوغل ويتغول في جميع مفاصل الدولة العراقية، بتسهيلات أمريكية بدأت منذ اليوم التالي لسقوط بغداد، وتفكيك الجيش العراقي، وبناء نظام طائفي مذهبي، هو الذي كان وراء سقوط نصف العراق بيد تنظيم الدولة، وتكريس مسار انفصال الأكراد، وبداية تشكيل ما يشبه نظام ولاية الفقيه.

فالعرب المنتفضون في بغداد ومدن الجنوب، اكتشفوا بعد حين أنهم لم يكونوا فقط فريسة لأحزاب دينية مذهبية فاسدة، تدين بالولاء السياسي لإيران، بل كانوا ايضا ضحية لمرجعية النجف التي خسرت المغالبة مع المرجعية الصفوية في قم، ووجدت الأغلبية العربية الشيعية أن أحوالها المعيشية هي أكثر سوءا مما كانت عليه زمن حكم البعث، مع انهيار مريع للخدمات رغم إنفاق أكثر من ستمائة مليار دولار، منها ستون مليارا على قطاع الكهرباء، ذهب معظمها لجيوب الفاسدين.

وسواء تعلق الأمر بالحالة اللبنانية، أو اليمنية، أو العراقية، أو السورية، فإن المتهم الأول في ما عاشته شعوب الشرق الأوسط من فتن وفساد وانحلال للدولة، هي الحالة الطائفية والمذهبية التي كانت أخطر على المنطقة من الاحتلال الأمريكي، وقد هزمته المقاومة، ومن الكيان الصهيوني، الذي سوف تهزمه المقاومات الشعبية حين تتحرر الشعوب من حسابات الدول وتآمر قادتها.

المؤمل من هذا الحراك المحمود ليس بالضرورة إضعاف الهيمنة الإيرانية التي كانت ستتعاظم بعد رفع الحصار، واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع الغرب، بقدر ما يرجى له أن يحرر شعوب المشرق من سحر الإغراءات الطائفية والمذهبية التي مزقت العرب إلى سنة، وشيعة، وزيدية، وعلوية، ودروز، لأن قوة إيران مثل قوة الكيان الصهيوني هي من ضعف العرب وانسياقهم الأعمى خلف السراب المذهبي الذي ما أنزل به من سلطان.

مقالات ذات صلة