الجزائر
مطالب بتعزيز توظيف الأساتذة وفتح أقسام لمجابهة الاكتظاظ

بداية مدرسيّة بإصلاحات تربوية هامة ومشاكل ظرفية

نشيدة قوادري
  • 361
  • 0

بعد مرور أسبوع كامل على انطلاق الموسم الدراسي 2026/2025، بدأت أولى ملامح الدخول المدرسي تتضح أكثر، لتكشف عن جهود عمومية جبارة وامكانات هائلة وفرتها الدولة بغرض ضمان التعليم لجميع أبنائها في أحسن الظروف، مع تجند تامّ وحرص كامل في كل المستويات من مسؤولي السلطات التربوية والحكومية والمحلية على السواء.

 مقابل ذلك، هناك واقع ميداني يطرح العديد من الأسئلة حول قدرة المنظومة التربوية على تجاوز العقبات المتراكمة، وتحقيق الانطلاقة المرجوة التي تراهن عليها وزارة التربية الوطنية، فبين الاكتظاظ داخل الأقسام، والشغور المؤقت في مواد أساسية، وغياب المنهاج الخاص باللغة الإنجليزية في بعض السنوات، إلى جانب تجربة “الدخول المتقطع”، تبرز تحديات حقيقية تتطلب تدخلا سريعا ومواجهة حازمة، لأجل تفادي تعطيل التحصيل الدراسي للتلاميذ منذ الأيام الأولى، وضمان سنة دراسية مستقرة دون تعثرات.

 المطلوب حلول سريعة للاكتظاظ بفتح أقسام جديدة

أفادت مصادر “الشروق” أن أولى الملاحظات الميدانية التي رصدتها الأسرة التربوية والأولياء على حد سواء، بعد أسبوع من العودة المدرسية، هي مسألة الاكتظاظ داخل الأقسام، حيث أنه في بعض المؤسسات التربوية، خاصة في المدن الكبرى، تجاوز أحيانا عدد التلاميذ في القسم الواحد 45 تلميذاً، وهو ما يجعل من الصعب على الأساتذة التحكم في العملية التعليمية، ويفقد الدروس نوعا ما طابعها التفاعلي الضروري لتحقيق الفهم والاستيعاب.

وفي هذا الصدد، دعا متابعون للشأن التربوي إلى ضرورة العمل على إيجاد حلول عملية لتجاوز المشكل، حيث عرضوا مجموعة مقترحات، تتعلق أساسا بأهمية فتح أقسام جديدة، أو بتعزيز التوظيف الخارجي للأساتذة، أو حتى بتبني نماذج تربوية بديلة تخفف الضغط.

غياب منهاج الإنجليزية للأولى متوسط… فراغ وجب تداركه

وفي نفس السياق، لفتت مصادرنا إلى نقطة محورية في الدخول المدرسي الجديد، وهي ضرورة الإفراج عن منهج تربوي جديد في مادة اللغة الإنجليزية لأقسام السنة الأولى من التعليم المتوسط، لتعويض الكتاب المدرسي  القديم، وما حمله من نوايا حسنة في تعزيز تدريس اللغات الأجنبية داخل المدرسية الجزائرية، إلا أنه كشف منذ اليوم الأول عن ثغرة بيداغوجية جراء غياب المنهاج الرسمي والدليل البيداغوجي للأساتذة، وهي إشكالية وجب تداركها و تسويتها في آجال قريبة.

وأشارت ذات المصادر إلى أن عددا كبيرا من مدرسي اللغة الإنجليزية، قد وجدوا أنفسهم أمام فراغ مرجعي، ما دفع البعض إلى اللجوء لاجتهادات شخصية، أو إلى استنساخ مضامين من السنوات الأعلى، وهو ما خلق فوضى بيداغوجية وقلقاً لدى الأولياء الذين تساءلوا عن جدوى هذا الإصلاح إذا لم يكن مدروساً بالشكل الكافي.

الدخول المتقطع… حل استثنائي فرضته الظروف

وبناء على ما سبق، أوضحت المصادر نفسها أن اللجوء إلى “الدخول المتقطع”، قد أثار الكثير من النقاش في الأوساط التربوية، بعدما جرى اتخاذ قرار يقضي ببرمجة العودة المدرسية حسب المستويات الدراسية على مدار الثلاثة أيام الأولى، مراعاة للاكتظاظ وعدم قدرة المؤسسات التربوية على استقبال كل التلاميذ دفعة واحدة.

وإلى ذلك، ورغم أن هذا التدبير الإجرائي قد ساعد نسبياً على تخفيف الضغط في الأسبوع الأول، إلا أنه اعتُبر حلاً ظرفياً لا يمكن الاعتماد عليه طويلاً، لأنه يضرّ بمبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلمين، حيث استفاد بعض التلاميذ من حصص إضافية في حين تأخر آخرون عن الالتحاق الفعلي.

توسيع التوظيف…حل جذري للشغور في المواد الأساسية

وعلاوة على ذلك، أكدت مصادرنا على أن تقارير الولايات قد وقفت على استمرار مشكل الشغور البيداغوجي في عدد من المواد الأساسية، وعلى رأسها الرياضيات والعلوم الفيزيائية واللغة الإنجليزية، وهو النقص الذي سجل في عديد من المتوسطات والثانويات.

وعليه، فإن هذه الوضعية، قد تسببت في بقاء جداول التوقيت ناقصة، حيث لم يتم تعيين أساتذة لهذه المواد حتى بعد مرور أسبوع كامل عن العودة المدرسية، مثلما توضح مصادرنا.

ومن ثمة، فإن هذا الوضع قد أثار مخاوف كبيرة من ضياع أسابيع وربما أشهر من الدراسة، خصوصاً أن هذه المواد تمثل قاعدة أساسية في تكوين التلاميذ، ولها وزن كبير في الامتحانات المدرسية الرسمية، في حين أن الأساتذة العاملين بدورهم نبهوا إلى أن سدّ هذا العجز لن يعوّض لاحقاً الزمن الضائع، خاصة مع الحجم الساعي الكبير لهذه التخصصات.

التربية الإسلامية في المتوسط… غياب المتخصص يثير تساؤلات

كما أثارت مصادرنا مسألة عدم تخصيص أستاذ رسمي لمادة التربية الإسلامية في الكثير من متوسطات الوطن، حيث تم توزيع ساعاتها على أساتذة اللغة العربية كما كان معمولا به دوما، وهي الوضعية التي أثارت انتقادات واسعة، لكونه يمسّ بمادة حساسة في المنهاج الدراسي السنوي، ويضعف من مستواها، كما يقلل من قيمتها التربوية.

وفي هذا الشأن، شدد أولياء تلاميذ على أن أبناءهم بحاجة ماسة إلى هذه المادة و أن تدريسها وجب أن يكون من طرف أساتذة متخصصين، وليس في شكل تكليفات ثانوية، على اعتبار أن التلاميذ في مرحلة حرجة من تكوين شخصيتهم الفكرية و الأخلاقية.

نحو مراجعة شاملة لإنجاح الإصلاح التربوي

واستخلاصًا لما سبق، فإنه بعد أسبوع واحد من الدخول المدرسي، يبدو واضحاً أن المشاكل التي كُشف عنها تبقى مجرد صعوبات ظرفية، بحاجة إلى تدخل سريع و حلول فعالة لمواجهتها، وضمان سنة دراسية مستقرة، وهو الأمر الذي لا يتأتى إلا عن طريق تعزيز توظيف الأساتذة، والقضاء بذلك على الشغور البيداغوجي.

وعليه، فإن وزارة التربية الوطنية تحاول طمأنة الرأي العام من خلال تصريحاتها حول “التكفل التدريجي بالمشاكل”، في حين يرى متابعون للشأن التربوي أن الأمر يستدعي وقفة جادة لمراجعة بعض القرارات، من أبرزها تصحيح سياسات التوظيف، إلى جانب تخفيف الاكتظاظ عبر فتح مؤسسات تربوية جديدة، فضلا عن تسريع وتيرة إعداد المناهج والدلائل البيداغوجية، حتى لا يتحول الدخول المدرسي إلى أزمة مكررة كل سنة.

ومن هذا المنطلق، فإن الدخول المدرسي ليس مجرد موعد سنوي لفتح الأبواب وقرع الأجراس، بل هو مقياس حقيقي لمدى قدرة الدولة على ضمان حق أبنائها في تعليم نوعي.

وبعد أسبوع واحد فقط من عودة التلاميذ إلى مقاعد الدراسة، بدا واضحاً أن تحديات كبيرة تفرض نفسها، وأن الإصلاح الحقيقي يتطلب يستلزم رؤية شاملة تُشرك فيها كل الأطراف: الوزارة، الأساتذة، الأولياء، وحتى التلاميذ أنفسهم.

فهل سيتحول هذا الأسبوع الأول إلى مجرد “عثرة البداية” التي يمكن تجاوزها بسرعة؟ أم أنه مؤشر على سنة دراسية ستُثقلها المشاكل؟ الجواب سيتضح مع مرور الوقت، لكن المؤكد أن المنظومة بحاجة ماسة إلى مراجعة عميقة قبل أن تتفاقم المشكلات وتتحول إلى عوائق مزمنة.

مقالات ذات صلة