-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بداية نهاية قوة عظمى في الشرق الأوسط!

بداية نهاية قوة عظمى في الشرق الأوسط!

لعل أهم نتيجة ستنتهي إليها الحرب الظالمة الدائرة اليوم في الشرق الأوسط ضد إيران هي اقتناع العالم بأن الولايات المتحدة لم تعد قوة عظمى في النظام الدولي القائم، لا بالمفهوم العسكري ولا بالمفهوم الاقتصادي أو السياسي أو مفهوم نمط الحياةThe American way of Life، ناهيك عن حليفتها “إسرائيل” التي أثبتت الوقائع على مدار السنتين الماضيتين خلال شنها حرب الإبادة على غزة أنها أيضا لم تعد قوة إقليمية بالمفهوم الذي كان سائدا خلال القرن العشرين. وهذه ليست استنتاجات تفكير رغبوي أو منحاز إنما خلاصة تؤكدها الوقائع في الميدان والحقائق الكثيرة على مختلف الأصعدة.

لو بدأنا بالجانب العسكري الذي هو العنوان البارز الذي تسعى القوة العظمى لبناء فلسلفة تفوقها على أساسه، نكتشف أن العدوان الأخير على إيران الذي أراد أن يكون حاملا لرسالة تفوق عسكري وتكنولوجي غير مسبوق، كشف محدودية قدراته أمام قوة عسكرية صاعدة لا تزعم حتى أنها قوة إقليمية، وبَيَّن أنه مازال لا يُفرِّق بين قصف هدف عسكري ومدرسة للبنات! ولا يُفرِّق بين أهداف حقيقية على الأرض وأخرى وهمية رسمتها ريشة فنان! وهو الأمر ذاته الذي بيَّنته من قبل حرب الإبادة على غزة عندما كشفت أن استخدام كافة التكنولوجية الأمريكية والإسرائيلية للتجسس والرصد والاستشعار وجمع المعلومات والضرب بدقة لم يُمكِّن القوات المعتدية من التعرف على مكان أسير واحد أو تحريره من يد المقاومة برغم أن هذه الأخيرة لا تدعي هي الأخرى أنها قوة، بل تُعرِّف نفسها بالمقاومة التي تدافع عن استعادة حقها المسلوب بما توفر من إمكانات وقدرات. وإذا انتقلنا شمالا إلى لبنان الذي يُصنِّف فيه حزب الله نفسه ضمن قوى المقاومة تتأكد لنا المعادلة مرة أخرى، إذ كلما زعمت القوة العظمى وحليفتها أنها أنهما أنهياه من الوجود ظهر من تحت الرماد وبشكل أقوى كما يحدث اليوم في سهل البقاع وفي الجنوب اللبناني وكأنه لم يعرف الخسائر التي مرت به، وكأنه عاد إلى المربع الأول الذي انطلق سنة2006  بإمكانه هزيمة الجيش الذي يُصنِّف نفسه الأقوى في المنطقة والأحسن تسلحا والأكثر اعتمادا على التكنولوجيا المتقدمة. أما إذا قدمنا المثال من اليمن فإن الصورة تكون أوضح، حيث لم تتمكن القوات الأمريكية ولا حليفتها من القضاء على تهديدات صواريخ المقاومة هناك رغم حاملات الطائرات والقدرات العسكرية الكبيرة وقوة الضربات الجوية ضد اليمن. كل هذا يعني أن للقوة العسكرية مهما كانت درجة تفوقها حدودا لا يمكن تجاوزها وأهدافا لا يمكنها تحقيقها كما كان ذلك عبر التاريخ. وهي الحقيقة التي يبدو أن القيادة الأمريكية الحالية لم تدركها أو تدركها وفضَّلت العودة إلى منطق الاستعمار التقليدي للقرنيين الثامن عشر والتاسع عشر إن لم يكن لمنطق القرون الوسطى لتطبيقها، مستلهِمة ذلك من شعارات متطرفة بات يفتخر بها وزير الحرب الأمريكي في كتابيه الأخيرين “الحرب على المحاربين” الصادر سنة 2024 والحملة الصليبية الأمريكية الصادر سنة 2020!

وإلى جانب الإفلاس في هذا الجانب المتعلق بالقوة الصلبة، بات الإفلاس واضحا في مجال القوة الناعمة، فعلى خلاف الصين التي تُحقّق مصالحها في المنطقة وتكسب ود شعوبها من خلال الاستثمار والتجارة ومن دون السعي لبناء قواعد عسكرية ولا لنشر جنودها، مازالت الولايات المتحدة الأمريكية تفكر بمنطق ما بعد الحرب العالمية الثانية وكأن الاتحاد السوفياتي مازال موجودا! وهكذا بدل أن تستثمر في تعزيز نمط الحياة الأمريكي الذي كان أساس انبهار الشعوب بالولايات المتحدة باتت تُقدِّم نفسها كـ”غول” يخيف العالم، بل ويخيف الشعب الأمريكي ذاته مُقتَدِية في هذا الجانب بالذات بحليفتها “إسرائيل” التي تُدرك أن لا نمط حياة لديها سوى القوة العسكرية والمال… وهنا تكون الولايات المتحدة قد وقعت في شراك الصهيونية العالمية التي لا يهمها بناء الحضارات، بل تخريبها، وبهذا تكون قد وقَّعت وثيقة بداية نهايتها كقوة عظمى بإمضاء من الرئيس “دونالد ترامب”…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!