-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بديهيات تحتاج أحيانا إلى بيان وتوضيح

حمزة يدوغي
  • 2221
  • 0
بديهيات تحتاج أحيانا إلى بيان وتوضيح
الأرشيف

استوقفتني فقرتان لا رابط بينهما في الظاهر، من حيث المضمون، يقول ابن خلدون في الأولى “الناس مختلفون باختلاف نحلهم في المعاش” والثاني تقول “يطاع السلطان في سبع هن من اختصاصه وحده، وهي: ضرب الدراهم والدنانير والمكاييل والأوزان والأحكام السلطانية وإمارة الحج والجمعة والجهاد”.

لقد وجدتني، بعد قراءتهما، استحضر ما عاناه واقعنا الديني خلال الأزمة المريرة التي عشناها، وما عرفه من فوضى بسبب ما شاع فيه من فهوم خاطئة ولعل أكثر هذه الفهوم الخاطئة إثارة للاضطراب والفتنة ما تعلق بالمسجد وتحريف نشاطه عن رسالته والمساس بحرمة المنبر، رمز التوحيد والوحدة، وكذلك اختلاط مفهوم الخطاب الديني والخطاب السياسي المغلّف بالمعجم اللفظي الدعوي“.

إن ما استوقفني في قول ابن خلدون، الذي سجل سبقا في هذا المجال، هو الربط التلقائي بين هذه الحقيقة التي أبان عنها، أو هذه الظاهرة الاجتماعية البحتة وبين أولئك الذين يعتقدون أناتباع نهج السلف الصالحهو التشبّث بأساليب عيشهم وأنماط حياتهم بتفاصيله وجزئياته، دونما تمييز بين ماهو من جوهر الدين، خالد بخلوده، وماهو مجرد نمط من أنماط العيش أملته ظروف بيئة واجتماعية، يتغير بتغيرهما ويزول بزوالها.. وهذا معنى اختلاف النّحل واختلاف المعاش.

وأما الذي استوقفني في الفقرة الثانية فهو أن من جملة الأمور السبعة التي يختص بها السلطان وحده في الشريعة الإسلامية، إمارة الجمعة أي إقامتها، وكذا عيد الفرط وعيد الأضحى، وهذا بيت القصيد لأن معنى ذلك أنه لا مجال إطلاقا للخلاف في بدايات الصيام وفي العيدين، حفاظا على الوحدة المقدسة للأمة.

وإذن فمن الطبيعي أن يكون أمر المسجد موكولاشرعاإلى السلطان، أي إلى الدولة، بمفهومهاالمؤسساتياليوم، لأن المسجد هو العصب الحساس الذي إذا انتظم واستقر انتظمت أحوال الناس، وإذا ترك بلا نظام واستغلهشخص أو جماعة أو حزب  ساءت أحوالهم واضطربت.

فكلنا يعلم أن من صميم وظيفة المسجد أنيمتصكل خلاف يمس كيان المجتمع ويهدد وحدته الدينية والوطنية، فهذه كلها بديهيات ومسلّمات، لكن الذي قد يحتاج إلى صياغته بلغة العصر هو كون المسجد مؤسسة اجتماعية بُنيت لتحققانسجاماللمجتمع عندما تكون مكمّلة ومنسجمة مع مختلف المؤسسات الاجتماعية الأخرى لا مناقضة لها أو مواجهة أو معارضة، كالعدالة والإدارة والمدرسة والأمن وما إلى ذلك.

فكل مؤسسات المجتمع لهااستقلال وظيفيفي أداء مهمتها، لكنها تعمل كلها وفق نسق عام موحد ومرجعية واحدة وتسعى كلها إلى تحقيق غاية واحدة هي استقرار المجتمع وتماسكه وتلبية حاجاته الحيوية ليهنأ أفراده بالعيش الكريم في تواد وتراحم وأمن واستقرار.. تماما مثلما تستقل أعضاء الجسد الواحداستقلالا وظيفيافلا يمكن للعين مثلا أن تقوم بوظيفة الأذن ولا للقلب أن يقوم بوظيفة المعدة، ولكن إذا مااشتكىأحد هذه الأعضاءتداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما جاء في الحديث النبوي الشريف.

بديهيةأخرى ما كانت لتحتاج إلى بيان وتوضيح لولا اهتزاز ذلكالنسق العامالذي تنتظم فيه حياتنا الدينية والوطنية، ألا وهي كون الخطاب المسجدي والخطاب الوطني وجهين لعملة واحدة بالتعبير الشائع المألوف، ولا يمكن الفصل بينهما، إذ لا يتصوّر المسجدمحايداأوغائبا كليةعن شؤون الوطن.

 

ولكن كون الخطاب المسجدي والخطاب الوطني متكاملين ليس معناه أنهمامتداخلانفالوالي مثلا لا يقوم مقام إمام المسجد، والإمام لا يقوم مقام القاضي، ولا يمكن أن يلغي أحدهما الآخر؛ والخلط بين هذين المفهومين هو الذي حرف المسجد عن رسالته خلال تلك الأزمة التي مانزال نعاني بعض انعكاساتها إلى اليوم، ومن ذلك مثلا الاجتهاد في الدين ومآل حصيلته وثماره في الواقع؛ فالمفهوم الصحيح لهذا الاجتهاد هو أن ينطلق من الذات، من واقع المجتمع وخصوصياته، والإمام حر في أن يجتهد إذا توافرت لديه شروط الاجتهاد، لكنه ليس حرّا فيفرضحصيلة اجتهاده على الغير، لأن ذلك هو رأس الفتنة في الدين، فتعم الفوضى بتعدد مصادر الفتوى بل وتناقضها، وتتعرض بذلك وحدة المجتمع للتصدع وكيانه للتلاشي والانهيار!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • أحمد عليان

    و يبقى اشكال خلط الدين بالسياسة , و اشكالية وطننة الدين , و تديين الوطنية . من غير تحديد الحدود الفاصلة بين الشأن الخاص و الشأن العام مما يضفي ضبابية على النهج الديمقراطي , و حقوق الانسان التي هي أهم ما يطالب مغبونوا الشعوب في كل مكان .

  • sofian

    انت بداية مقالتك خاطئة بدات بتتكلم عن ابن خلدون و كان ابن خلدون نبى !!!! يجب ان يبدا مقالك بحديث لرسول الله ثم حلل و ليس ابن خلدون !!! ثانيا ابن خلدون هو اول من قاد تمرد ضد امرائه و و يا ليته خرج من اجل الدين يل خرج من اجل العرق و العصبية ثالثا لا يوجد خطاب دينى جديد و خطاب قديم يوجد كتاب الله و سنته بفهم سلف الامة