-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
وفق تقرير لـ"بنك الجزائر" بالتعاون مع صندوق النقد الدولي:

“بريد الجزائر” الأكثر عرضة لجرائم تبييض الأموال!

حسان حويشة
  • 2385
  • 0
“بريد الجزائر” الأكثر عرضة لجرائم تبييض الأموال!

كشف تقرير رسمي لـ”بنك الجزائر” أن مؤسسة البريد تتصدر قائمة المؤسسات المالية الأكثر عرضة لمخاطر غسل وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، متبوعا بالقطاع البنكي الذي وصف مستوى المخاطر فيه بـ”المتوسط إلى المرتفع”، لافتا إلى أن التهديد الإرهابي في الجزائر صار ضعيفا، لكن التحليلات تكشف عن استمرار نقاط ضعف داخلية في آليات “بريد الجزائر” لمراقبة مخاطر تمويل الإرهاب، بالنظر خصوصا إلى انتشاره الكبير والعدد الهائل للزبائن واستمرار معاملات الدفع “كاش” على نطاق واسع.

وجاء الكشف عن هذه التفاصيل، من خلال تقرير بنك الجزائر معنون بـ: “التقييم القطاعي لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب في القطاع البنكي وبريد الجزائر”، والذي جرى إعداده بالتعاون مع خبراء من صندوق النقد الدولي، في إطار تعزيز الرقابة المالية ومطابقة النظام المصرفي الجزائري مع معايير مجموعة العمل المالي الدولية  (GAFI)

انتشار فروع المؤسسة الماليّة وعدد الزبائن والدفع النقدي يزيد من المخاطر

ووفقا للوثيقة ذاتها، فإن أن اعتماد بريد الجزائر الكبير على التعاملات النقدية، واتساع شبكته عبر كامل التراب الوطني، إضافة إلى تنوع زبائنه وصعوبة مراقبة العمليات في الوقت الفعلي، يجعل منه المؤسسة الأكثر عرضة للاستغلال في عمليات تبييض الأموال.

كما أشار التقرير إلى أن إجراءات المراقبة الداخلية والأنظمة التقنية الخاصة بالكشف عن المعاملات المشبوهة ما تزال ضعيفة وغير مكتملة، رغم الجهود المبذولة في السنوات الأخيرة لتطوير منظومة “اعرف عميلك (زبونك” (KYC) وإطلاق نظام التصريح الإلكتروني بالشبهات.

أما بالنسبة للقطاع البنكي، فقد صنّف التقرير مستوى الخطر فيه على أنه “متوسط إلى مرتفع”، مبررا ذلك بتنوع المنتجات والخدمات، وتعدد القنوات الرقمية، وتزايد المعاملات العابرة للحدود، خاصة في ظل انتشار الاقتصاد غير الرسمي الذي يقدّر بنحو 30 إلى 35 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.

مستوى مخاطر متوسط إلى ضعيف بالبنوك ومنخفض بمؤسسات الإيجار المالي

كما حذر التقرير من استمرار استخدام الأموال النقدية على نطاق واسع، ما يضعف جهود تتبع حركة رؤوس الأموال داخل النظام المالي.

في المقابل، أوضح التقرير أن المؤسسات المالية المتخصصة، مثل تلك الناشطة في مجال الإيجار المالي (الليزينغ)، تبقى الأقل تعرضا للمخاطر، نظرا لطبيعة نشاطها المحدود وغياب التعاملات النقدية أو الخارجية، مؤكّدًا أن هذه المؤسسات “تخضع لرقابة فعالة وهيئات تسيير داخلية أكثر انضباطًا”.

من جهة أخرى، دعا بنك الجزائر إلى تعزيز الرقابة الوقائية وتكثيف التكوين المتخصص للعاملين في المؤسسات المالية، إضافة إلى تسريع رقمنة المعاملات المالية للحد من تداول السيولة خارج النظام المصرفي، كما شدد على ضرورة تحديث أنظمة المراقبة التلقائية للكشف المبكر عن العمليات المشبوهة، والتنسيق مع خلية معالجة المعلومات المالية (CTRF) والجهات الأمنية المختصة.

ولفتت وثيقة بنك الجزائر إلى أن مستوى المخاطر الحالي يفرض اعتماد مقاربة رقابية “مبنية على الخطر”، تركز على المؤسسات ذات التأثير النظامي الكبير، مثل البنوك الكبرى وبريد الجزائر، لضمان صلابة المنظومة المالية الوطنية أمام التهديدات المرتبطة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وفي جانب آخر، تناول التقرير بالتفصيل مسألة تمويل الإرهاب، حيث أكد أن مستوى التهديد في الجزائر يعد “ضعيفا” بفضل تراجع نشاط الجماعات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن بعض القنوات غير الرسمية مثل نظام “الحوالة” ما تزال تشكل مصدر خطر محتمل يمكن استغلاله لتحويل الأموال خارج القنوات القانونية.

وأوضحت الوثيقة أن بعض الخدمات المالية، كالحسابات المفتوحة من دون تحقق كاف من الهوية أو التحويلات السريعة، قد تستغل في تمويل أنشطة غير مشروعة، ما يستدعي رقابة صارمة وتدقيقًا متواصلًا من قبل المؤسسات المالية والسلطات المختصة.

وفي هذا السياق، أبرز التقرير أن الجزائر اتخذت إجراءات تشريعية ومؤسساتية قوية خلال السنوات الأخيرة للوقاية من مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، أهمها صدور القانون رقم 23-01 لسنة 2023 المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والذي شدد العقوبات وفرض التبليغ الإجباري عن العمليات المشبوهة إلى خلية معالجة المعلومات المالية.

كما أشار إلى إنشاء اللجنة الوطنية لتطبيق العقوبات المكلفة بتجميد الأموال والأصول المرتبطة بأسماء أو كيانات مدرجة في القوائم الدولية، واستحداث نظام إنذار آلي وطني يهدف إلى رصد التعاملات مع الأشخاص أو المنظمات المشبوهة فورًا.

إلى جانب ذلك، ذكر التقرير أن السلطات الجزائرية تعمل على تقليص الاعتماد على التعاملات النقدية وتشجيع الدفع الإلكتروني في القطاعات الحيوية، كجزء من خطة لتقليص الاقتصاد الموازي الذي يمثل نحو ثلث الناتج الداخلي الخام، فضلًا عن إطلاق برامج لتكوين الإطارات البنكية في مجالات الرقابة والامتثال، بدعم فني من صندوق النقد الدولي.

واعتبر بنك الجزائر أن هذه الجهود تشكل “منعطفا مهما” في تعزيز المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لكنها تتطلب استمرارية في الرقابة والتحديث التكنولوجي، خاصة في المؤسسات ذات التأثير النظامي الكبير مثل البنوك الكبرى وبريد الجزائر، لضمان صلابة النظام المالي وحمايته من أي مخاطر محتملة.

وكشف التقرير، على إثر تقييم المخاطر الوطنية الذي أُنجز خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2023، عن أبرز الجرائم التي تولد عائدات مالية غير مشروعة تشكل مصدرا رئيسيا لعمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في الجزائر.

وبين التقرير أن الفساد، والتهرب الضريبي، والاتجار غير المشروع بالمخدرات تمثل أبرز الجرائم التي تُصنَف ضمن مستوى التهديد الأعلى، نظرا لحجم الأموال المتأتية منها وتأثيرها المباشر على القطاع البنكي ومؤسسة بريد الجزائر.

وتُعد هذه الأنشطة الإجرامية وفق نفس الوثيقة، من أكثر المصادر التي يسعى أصحابها إلى إدخال عائداتها في النظام المالي الشرعي عبر عمليات تمويه معقدة وأساليب تضليل متطورة.

أما الجرائم المصنفة ضمن مستوى التهديد المتوسط، فتشمل المخالفات الجمركية، وتهريب السلع، والاتجار غير المشروع بالمهاجرين، وهي أنشطة تشكل تهديدا محدودا، لكنها تبقى مصدرا محتملا للأموال المشبوهة التي قد تجد طريقها إلى المؤسسات المالية، سواء عبر التحويلات أو عبر خدمات البريد المالي.

من جهة أخرى، صنف التقرير الاحتيال وتزوير العملة والاتجار غير المشروع بالأسلحة ضمن فئة التهديدات الضعيفة، إذ لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من إجمالي المبالغ المحجوزة، تقدر بنحو واحد بالمائة فقط.

وأوضح التقرير أن بنك الجزائر، بالتنسيق مع الهيئات المختصة وبدعم من خبراء صندوق النقد الدولي، أجرى تحليلًا معمقًا حول التهديدات المصنفة في المستويين الأعلى والمتوسط، شمل دراسة ملامح المجرمين، وأساليب إدخال الأموال غير المشروعة إلى النظام المالي، إضافة إلى تحديد المناطق الجغرافية الأكثر عرضة للمخاطر.

وأشار التقرير في ختامه إلى أن هذه التهديدات، رغم تفاوت مستوياتها، تستدعي تعزيز آليات الرقابة والتحري داخل البنوك ومكاتب بريد الجزائر، وتكثيف التنسيق بين مختلف الأجهزة المالية والأمنية، من أجل حماية النظام المالي الوطني من أي محاولات لاختراقه أو استغلاله في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!