بطولاتٌ في غير مكانها..
ما نتابعه في الصِّدام المحتدم في الجغرافيا السورية وكذا الجغرافيا العراقية وكذا في اليمن يكشف لنا عن حقيقة مذهلة: إن هناك روحا قتالية تكتنزها شرائح في الأمة تستطيع تغيير وجه العالم ولكنها للأسف في غير مكانها..
ولكن أين بطولات المتقاتلين وعنادهم من معارك الأمة؟ نتساءل بمرارة أين جهادية هؤلاء المجاهدين المقاتلين باستبسال وبإقدام منقطع النظير من مواجهة الصهاينة الذين تجمع كل الشرائع على وجوبية قتالهم وأولويته؟ أين هذه النخوة العربية التي أنفقت مليارات على الحرب في سورية واليمن؟ أين هي من القدس والأرض المباركة؟
وفي المقابل نكتشف فضيحة التفكير السقيم للنظام الأحادي في مواجهة العدوان الصهيوني على كل عملية قصف لمنشآتٍ سورية وأنه يحتفظ بحقه في الردّ زمانا ومكانا.. ولسوء حظه أن العدو أفقده الزمان والمكان؟ ونتساءل هنا بمرارة ماذا لو قاتل النظام السوري دفاعا عن الجولان ومدن فلسطين كما يقاتل الآن عن حلب وتدمر وادلب وحمص والرقة؟ إننا نكاد نجزم أن استبسال المجموعات المسلحة وروحها القتالية أشدّ بما لا يقاس بروح الجيش الصهيوني القتالية، ونكاد نجزم أن النظام لو دخل حربا ضد الكيان الصهيوني لحقق أهدافا كبيرة أهمها وحدة الشعب ووحدة الأمة وإيقاع خسائر في جبهة العدو، وإننا نكاد نجزم أن نتائج الحرب وما تلحقه في ساحتنا ستكون أقل بكثير مما لحق جراء حروبنا مع داعش والنصرة وجيش الإسلام.
إنه الوعي السياسي الذي لا يترك فرصة للتشظي الداخلي فالنظام الذي يكون جديرا بالبقاء هو الذي يلفت الانتباه إلى الأعداء الخارجيين ويشحذ همم شعبه لمعارك خارجية اقتصادية أو أمنية أو ثقافية… ويستمر في التعبئة وهذا ما تفهمه إدارات الغرب وأمريكا بالذات، حيث يصار إلى خلق عدو باستمرار وما إن ينتهوا من عدو حتى يبرزوا آخر.. وهنا يصبح واضحا أن من يتقي حرب العدو ويجمد ساحات المواجهة معه سيكون في حقيقة الأمر عرضة لمئات الجبهات تأتيه من كل صوب تنهش لحمه وتقضّ مضجعه.
إن الله سبحانه وتعالى أنعم على أمتنا في هذه المرحلة الخطيرة بقضية فلسطين.. فنحن في مرحلة تخلف وجهل وعدم مسؤولية، وفي مثل هذه المرحلة نكون في أحوج شيء إلى بصيص ضوء نهتدي عليه لنحرك أفكارنا وأشياءنا وأشخاصنا.. وهكذا يصبح واضحا في هذه المرحلة المعقدة أن لا شيء يمكنه تفسير واقعنا وتجنيبنا الزلل والخطأ، وإن يأخذ بأيدينا نتوحد ونستجمع قوتنا في معركة عليها إجماع الأمة ولها من القوة الروحية ما يكفي للمواصلة زمنا طويلا نرتقي خلاله وعيا وهمّة وإعدادا ونهضة.
لا ينقص المجموعات المسلحة التي تستنفر قوتها في سورية الشجاعة ولا العزيمة ولا التخطيط، ولكن ينقصها بلا شك الوعي والبصيرة عندما غابت عنها رؤية العدو المباشر والأول والأساس أصبحت مجالا لاستثمارات سياسية وأمنية أجنبية.. والنظام في سوريا الذي يبدي عنادا كبيرا في استرداد المدن والقرى كان عليه أن يعلم تماما أنه لا يمتلك حق تأجيل الرد على العدو الصهيوني، وأنه لا يمتلك حق هدنة معه، وأن القتال من أجل الجولان ومدن فلسطين لم يكن أولى فقط، بل وأنجى للشعب والأمة.. تولانا الله برحمته.