الرأي

بعد غزة: الموجة الثانية من الربيع العربي بدأت!

محمد سليم قلالة
  • 1547
  • 0

هل هناك أكثر مِمَّا تَمَّ إلى حد الآن من إبادة وقتل وتدمير وتهجير وتجويع للفلسطينيين في غزة لِتُطالب الإدارة الأمريكية بمزيد من الضغط على المستضعفين من النِّساء والرّجال والوِلدان؟ أي منطق هذا الذي يحكم العالم؟ تشجيع الظالم بصفقة جديدة آخر طراز من المُسيِّرات لمزيد من القتل، ومَدِّه بكل المال والعتاد اللازمين لِمزيد مِن القتل والتخريب والتدمير والحصار، ومُطالبة المظلوم بأن يستسلم ويرفع الراية البيضاء…؟ هل يعقل أن يحدث هذا ويريدون مِنَّا أن نبقى ننظر إلى أمريكا والغرب ككل بأنه موطن الحريات والديمقراطية والباحث عن السلم والأمن في العالم؟ هل يعقل أن يحدث هذا ويُريدون مِنَّا أن نُصَدِّق أنهم يتعاملون مع شعوب ودول العالم بالتساوي، وأنه ليس لديهم أكثر من مستوى للدول، وأكثر من تصنيف للشعوب، وأكثر من تمييز بين الدِّماء البشرية، وأكثر من مخطط تجاهنا؟
ألا نعيش اليوم واقعا حقيقيا وليس افتراضيا يقول إن الغرب يُصنِّف الشعوب إلى مَن يستحق الإبادة والإذلال والاستعمار موجة بعد أخرى، ومَن يستحق الحياة والسَّيطرة وحُكم الآخرين؟
ألا نعيش اليوم واقعا يقول إن هناك دُولاً لا يحق لِأخرى أن تَنتهك حُرمة حدودها، ومن حقها الدِّفاع عن نفسها بكل الوسائل، وأخرى لا ضَيْرَ في أن تُستَباح سيادتها وتُختَرق من كل جانب من دون أنْ تَمتلك حق الردّ؟! بل وهناك دماء غالية ينبغي معاقبة مَن يتسبب في إراقة قطرة منها، وأخرى مُستباحة رخيصة لا قيمة لها يَحق لأي كان أن يسكبها أرضا بلا حدود في أكثر من مكان؟
أي منطق هذا الذي يحكم العلاقات بين الدول والشعوب اليوم؟ أيُّ مرحلة نعيشها في هذه الحقبة؟ أليست أسوأ من حقبة الاستعمار البغيض، حيث وإِنْ قامت خلالها بعض الدول الاستعمارية بعمليات إبادة جماعية اكتفت أخرى بالاستعمار ونهب الثروات والخيرات؟
نَرى اليوم آلة الدَّمار تنتقل من فلسطين المحتلة إلى لبنان ومن لبنان إلى سوريا، وغدا من سوريا إلى العراق ومن العراق إلى إيران، ثم إلى غيرها من البلاد العربية والإسلامية في موجة جديدة وغير مسبوقة من الهيمنة على أمتنا عنوانها الشوط الثاني من الربيع العربي… ألا نرى بأن رياح الربيع العربي المزعوم قد غيَّرت اتجاهها فقط في هذا الشوط الثاني: لقد بدأ سهم الاتجاه من تونس غربا ليتجه مشرقا سنة 2011، وها هو اليوم يبدأ شرقا في سوريا ليصل غربا، في محاولة أخرى لوضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الخضوع لِمخططات الهيمنة الجديدة والقبول بالمشروع الغربي الأمريكي الصهيوني لعقود قادمة أو التعرُّض للحرب والتقسيم والتهجير وحتى الإبادة…
ولذلك فإنَّ فلسطين تبقى في قلب هذه المعركة، وتبقى غزة نقطة البداية والنهاية عند تسجيل الأهداف لأي من المتصارعين.
لذا، لا يفرح كثيرا مَن لم يلحقه بعد هذا الاضطراب الجديد، ولا يفرح كثيرا مَن اعتقد أن ما بعد غزة هو الهدوء والاستقرار والنجاة من الغرق، ولا يَفرح كثيرا مَن هُمْ سُعداء اليوم بسقوط سوريا في حالة الفوضى، واهمين أنَّ ما بعد سقوط دمشق ستكون الحرية والديمقراطية والالتحاق بركب الأمم المتطورة اقتصاديا! ولا يفرح كثيرا مَن اعتقد أنه سينجو بِبَلَدِه أو بِبَدَنِه إن انهزمت المقاومة في لبنان أو في العراق أو في اليمن أو في سوريا أو إن فشلت معركة الطوفان… ذلك أن الناجين من أعداء الأمة من فيضان طوفان الأقصى لن يتأخروا في إطلاق موجات طوفانهم المضاد، ربيعهم الثاني لِيُحققوا ما فشلوا في تحقيقه في أول ربيع منذ أكثر من عشر سنوات! وقد بدأوا…
وعليه، فإن نصرنا سيكون بغزة مُنتَصِرة أو لا يكون، ومادام أهلها صامدين، ومادامت مقاومتها حيّة، ومادامت تضحيات أبنائها مستمرة ومادامت الثقة في النصر لدى قيادتها باقية، فإن الأمل باق لدينا جميعا بإذن الله أن هذه الموجة الاستعمارية الثانية لن تنجح كما الأولى، وإن خَفَتَ طوفانِنا الأول بعض الشيء فإن هديره سيعود مرة أخرى، وهو عائد، وتلك الأيام نداولها بين الناس.

مقالات ذات صلة