بلاتر ظالم ومظلوم
سيقف تاريخ الرياضة وكرة القدم طويلا عند الرجل السويسري سيب بلاتر، رئيس مجلس إدارة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) لأكثر من 17 عاما.. وقد تطول.
وسيختلف الكثير في شخصه وشخصيته على كل الأصعدة.. وهل حقق نجاحا للفيفا وكرة القدم أم هبط بهما إلى الدرك السحيق؟ وهل كان بعيدا عن دوائر الفساد وكان نظيف اليد وسط مجموعات من الفاسدين والمرتشين أم إنه كان واحدا منهم أو على رأسهم فى عصابة علي بابا والأربعين حراميا؟ وهل لعب دورا رئيسيا فى تسييس كرة القدم لتحقيق مصالحه الشخصية والمالية أم إنه كان ضحية لمؤامرات سياسية عملاقة؟ وهل أحبته الأغلبية من اتحادات كرة القدم عبر قارات العالم المختلفة حتى ينال الأغلبية في انتخابات الفيفا عبر خمسة انتخابات متتالية فى مواجهة منافسيه من كل القارات.. أم إنه استخدم نفوذه وسلطاته وهداياه وأموال الفيفا لإغراء مسؤولي تلك الاتحادات لإعطائه أصواتهم؟
وأخيرا.. هل حان الوقت مع تقدمه في العمر ليبتعد تاركا المكان لمن هم أكثر قدرة على العطاء وأكثر حيوية وتجديدا في الأفكار والطموحات.. أم إن خبراته الضخمة وعلاقاته العنكبوتية المتشابكة مازالت الأغزر في دفع الفيفا واللعبة نحو مزيد من الأرباح والنجاحات؟
خمسة أسئلة شائكة نسعى معا للإجابة عنها.. وأرجو أن تتسع صدوركم لآرائي لأنها تقبل الجدل والاختلاف.
وأبدأ من السؤال الأخير.. وأنظر إليه من جانبين.. أولهما أنه قارب عامه الثمانين ومن الضروري أن يفسح المجال لمن هم أصغر سنا.. وثانيهما أننا، نحن العرب، لا نمتلك رفاهية الحديث عن أعمار الحكام لأننا نمتلك سابقا وحاليا العدد القياسي من الملوك والرؤساء والأمراء والسلاطين، الذين اقتربوا أو تجاوزوا الثمانينات.
أما على صعيد نجاح الفيفا.. فهو أمر مؤكد وملموس.. سواء من المردود المالي الهائل، الذي تجاوز المليارات وسمح للفيفا بمساعدة كل الاتحادات بأموال ومعونات ومشروعات.. بل وساهمت في إعانة المتضررين من الكوارث المتنوعة.. ولم تشهد المسابقات العالمية في عصره أي تلاعب، كما حدث في مونديال 1982 بين ألمانيا والنمسا ضد الجزائر أو مونديال 1978 بين الأرجنتين والبيرو ضد البرازيل.
أما بشأن تورطه في الفساد المالي وتلقي الرشاوى والهدايا الضخمة مثل الكثير من أعضاء اللجنة التنفيذية للفيفا، فهو أمر غير مؤكد (على الأقل حتى الآن).. ولا توجد أي وثائق أو حتى اتهامات جزافية له بالحصول على أموال من أي دولة أو اتحاد.. ولكنه لن يكون بمنأى عن تحريات الأجهزة الرقابية في سويسرا وعدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة في الشهور المقبلة.. وتحول المسؤولين الكبار في بعض تلك الدول إلى خصوم له.
وحتى إذا لم يكن متورطا وحتى إذا برأته تلك التحريات فإن وجوده لسنوات طويلة على رأس الفيفا وسط مجموعات من الفاسدين والمرتشين، الذين مهدوا بأصواتهم لقرارات مشبوهة فهو يتحمل جزءا من المسؤولية الجنائية التي تستوجب عقابه.. ولو بالاستبعاد فقط من منصبه، إلا إذا أثبت بلاتر بالوثائق أنه قاوم تلك القرارات في حينها.. ورضخ لها من منطلق الأغلبية.
وقبل أن أختتم بالشأن السياسي أشير إلى أن نجاحه المستمر في انتخابات رئاسة الفيفا على حساب السويدي يوهانسون، رئيس اليوفا ثم الكاميروني عيسى حياتو، رئيس الكاف، وأخيرا الأمير على بن الحسين شقيق ملك الأردن، ليس وليد اقتناع ومحبة بكل تأكيد.. ولكن العلاقات والوعود والمصالح كانت سببا مباشرا في انتصاراته المتتالية.
والآن حان موعد السياسة التي أطلت بوجهها القبيح على كرة القدم بشكل غير مسبوق منذ ثلاثينيات القرن الماضى.
وهاهو بلاتر يتعرض لحملة مشبوهة يتبناها رؤساء الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية الكبرى، لمجرد أنه وضع يده في يد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.. رغم أن اتصالاته مع بوتين لم تكن لأسباب سياسية.. ولكنه مضطر إليها، حيث إن روسيا هي الدولة المنظمة لنهائيات كأس العالم المقبلة 2018 على عكس رغبات الكتلة الغربية، التي أنزلت عقوبات اقتصادية ضخمة بروسيا بسبب غزوها لإقليم القرم في أوكرانيا.. وبادرت الولايات المتحدة بنفوذها العنكبوتي واسع النطاق في قطع الشرايين عنه بخطوات مبرمجة ومقننة.
الغرب رفع شعار.. لا سياسة في الرياضة.. وهو أول من يكسر هذا الشعار جهارا نهارا.
بصراحة.. بلاتر ظالم ولا يستحق الاستمرار رئيسا للفيفا.
ولكنه مظلوم جدا فى الموقف الأخير بل هو ضحية لشبكة سياسية غربية لا تهتم بالفساد قدر اهتمامها بإقصاء روسيا.