الرأي

بلا مَحبّة… هل من وجود؟

محمد سليم قلالة
  • 3909
  • 10

إذا كان علينا أن نُمارس السياسة بلا مشاعر مع غيرنا، وفق قواعد المصالح المتبادلة، فإنه ليس من حقنا ذلك عندما يتعلق الأمر بيننا، بين أبناء البلد الواحد والدين الواحد والثقافة الواحدة. يُفترَض بين هؤلاء أن تكون العلاقة مبنية على تلك القاعدة الإسلامية السامية التي وردت في الحديث الشريف: “لا يؤمن أحَدُكم حتى يحب لأخيه ما يحبُّ لنفسه”. نحن في حاجة إلى استعادة هذه القيمة العليا والتذكير بها في هذا اليوم الأغرّ يوم مولد نبينا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.

إذا استثنينا غير المسلمين من الجزائريين، فإنه لا يوجد بيننا من لا يعتبر نفسه مسلما، حتى وإن عادى ما يسمِّيه “الإسلام السياسي” أو ما اعتبره من غير تعاليم الإسلام الصحيح. تلك مشكلات عرفها مَن كان قبلنا ونعرفها اليوم، وعلينا إيجاد الحلول لها، ليس فقط من خلال القوانين كما هو شائع بيننا إنما من خلال نشر المحبة بين بعضنا البعض ومن خلال التربية عليها إذا أردنا أن يكون لنا وجود.

من بين أعمق ما قرأت في هذا المجال ما كتبه مالك بن نبي رحمه الله في إحدى مقالاته: “مجتمع بلا قانون يمكنه أن يَتفِّق، أما مجتمع بلا “محبة” فهو مجتمع بلا علاقات، مجتمع مستحيل الوجود” .

وهي الحقيقة عينها التي نعيشها اليوم. ماذا أفادت القوانين التي لا تُعَد ولا تُحصى في مجتمع غابت عنه هذه القيمة العليا؟ ماذا أفاد القانون في مجتمع يتحاسد ويتباغض ويكره بعضُه بعضَه الآخر وأحيانا يكيد بعضه لبعضه الآخر؟ هل عجز البعض عن تكييف تطبيق القانون وفق أمزجتهم وعملوا بعكس نص الحديث؟

إن كثيرا من ممارستنا الخاطئة اليوم هي نتيجة غياب هذا البعد الروحي في علاقاتنا الاجتماعية، هو هذا الإفراغ المتعمَّد للقوانين والحوارات السياسية من بعدها الإيماني الحقيقي، هو هذا الهجوم المستمر على مبادئ الدين باسم السياسة وباسم قوانين تمنع عنه السياسة كما يقولون، رغم جوهرية وجودها فيه.

ماذا جنينا من سياسة بلا دين ولا أخلاق ولا ضمير؟ ما الذي يمنع المُزوِّر أن يُزوِّر أو بائع الضمير أن يبيع ضميره أو شاري الذمم من أن يشتري إذا ما غاب الوازعُ الديني والأخلاقي وأصبحت السياسة خالية منهما؟

ما الذي يعيد الأساس الصلب للسياسة في مجتمعنا ويعيد الممارسات السياسية إلى إطارها الطبيعي؟ أليست تلك المبادئ الروحية التي ينبغي أن تَحكُم فهمَ القوانين وتطبيقها؟ أليس ذلك الضمير العميق الذي ينبغي أن يبقى حيا داخل كل إنسان؟ هل يمكننا أن نجعل قيم اللِّين والسلم والتضامن تسود بينا، ومشاعرنا جافة؟ هل يمكن أن يسود بيننا القانون ونحن ندوس على قاعدته الروحية الأولى “أن نُحب لغيرنا ما نُحب لأنفسنا” أو كما جاء في الحديث الشريف؟

مقالات ذات صلة