بلخادم واجه خصومه وظهر متماسكا.. مستسلما للصندوق
سيطرت أجواء الترقب والانتظار طيلة أشغال دورة اللجنة المركزية للأفلان، المنعقدة أمس بفندق الرياض، وكانت كل الأنظار موجهة صوب صندوق التصويت، الذي أشرف عليه أربعة محضرين قضائيين، إلى جانب مكتب يضم ممثلي الجناحين المتصارعين، وكان كل عضو في اللجنة يحاول جس نبض الآخرين، وتوقع نتائج التصويت التي انطلقت متأخرة، وكان لسان كل واحد منهم يقول إنه لا أحد بإمكانه التنبؤ بالنتيجة.
أجواء مشحونة سرعان ما هدأت بسبب الإجراءات الأمنية
كانت أجواء انعقاد اللجنة المركزية عند بداية صبيحة أمس تبدو جد مشحونة، بسبب التواجد الأمني الكثيف الذي أحاط بمدخل فندق الرياض بسيدي فرج، مكان انعقاد الدورة، وكذا عناصر مكافحة الشغب الذين تموقعوا عند مداخل ومخارج هذا الموقع السياحي، والذين حالوا دون تمكن مجموعة من الشباب المحسوبة على الأمين العام للحزب، عبد العزيز بلخادم، من الاقتراب من الفندق، وقد أدى ذلك إلى وقوع بعض المناوشات، بسبب إصرار بعض الشباب على التقدم نحو مكان انعقاد الدورة، حاملين لافتات مؤيدة لبلخادم، وتم اعتقال بعضهم، لكن سرعان ما عادت الأمور إلى نصابها، بعد أن اقتنع هؤلاء المناصرون باستحالة تحقيق مبتغاهم.
وكان الولوج إلى الفندق أمرا مستحيلا بالنسبة للمشاركين، وكذا لمندوبي وسائل الإعلام غير الحاملين للشارات، وقد ظهر الجانب التنظيمي بشكل جلي، بعد أن تولى الأمن العسكري المهمة، حيث خُصص فندق المرسى لتسليم الشارات للصحفيين الذين تم نقلهم بواسطة حافلات لفندق الرياض، كما كان المحضرون يتأكدون من أسماء أعضاء اللجنة المركزية، وتم وضع جهاز “سكانير” لتفتيش كل الذين ولجوا إلى الفندق، واستمرت هذه العملية على مدى حوالي ساعتين كاملتين إلى غاية الساعة الحادية عشرة، وانتشر الأمن بشكل لافت للانتباه في كل زوايا فندق الرياض، وكذا بداخل قاعة الاجتماعات.
مفاوضات عسيرة قبيل بداية اللقاء
وعكس ما كان مبرمجا، لم تنطلق أشغال الدورة إلا في حدود منتصف النهار، بسبب مفاوضات شاقة بين المناوئين والمؤيدين لبلخادم، حيث أصر المعارضون على إشراكهم في تنظيم الدورة، في ظل تصلب موقف الأمين العام، ليتم فيما بعد الوصول إلى حل توافقي، وهو تشكيل مكتب تصويت يتكون من أربعة أعضاء مناصفة بين جناحي الحزب، وهم: طاهر خاوة وخنوفة أحمد وشاطر أحمد ومصطفى بوعلاق، الذين جلسوا بالقرب من مكتب المحضرين القضائيين، لتبدأ عملية التصويت. وشدد بلخادم عند دخوله القاعة بأن هذا المكتب مهمته تسيير صندوق التصويت وليس تسيير الدورة أو الجلسة.
علما أن الأمين العام هو من افتتح اللقاء، ودخل القاعة على وقع تصفيقات وزغاريد مؤيديه، الذين تموقعوا في الكراسي الأمامية، في حين احتل معارضوه، من بينهم وزراء وقياديون في الحزب المقاعد الخلفية، وحاول هو من جانبه الظهور في صورة هادئة، متمسكا في أعصابه ومبتسما، في حين اختار معارضوه الرد على مؤديه بالتصفير، ومع ذلك لم تؤثر تلك الأجواء المشحونة على سير الجلسة، بسبب سعي كل طرف لتحمل مسؤولياته كاملة، والقيام بواجب التصويت لاعتبارات مختلفة، فمنهم من أرجعها لحرصه على وحدة الأفلان، وآخرون أرجعوها لضرورة تماسك الدولة، بالنظر إلى وزن الحزب العتيد، في حين قال قياديون آخرون من بينهم العياشي دعدوعة عضو المكتب السياسي بأنه جد متفائل، لأن الذي سيتولى القيادة سيكون واحدا من أبناء الأفالان.
وزراء يسالون الصحفيين عن النتيجة المتوقعة
واختار وزراء الأفلان الذين شاركوا في دورة أمس مغادرة القاعة فور أدائهم واجب التصويت، وجلس بعضهم على أرائك وضعت أمام مدخل القاعة، يتبادلون أطراف الحديث مع قياديين آخرين، يحاولون توقع النتيجة، في حين سعى بعضهم للتقرب من بعض مندوبي وسائل الإعلام، واقترحوا عليهم القيام بشبه سبر للآراء داخل القاعة، لمعرفة الاتجاه العام لأعضاء اللجنة المركزية، بحجة أن الصحفي حيادي، وبإمكانه إعطاء قراءة موضوعية لعملية التصويت، بناء على أراء ومواقف الآخرين.
ولم يشأ العضو القيادي في الحزب، عبد الرزاق بوحارة، الذي تم تداول اسمه لتسيير المرحلة الانتقالية للأفلان الإدلاءَ بأي تصريح، بحجة أنه يفضل حاليا التزام الصمت، في حين قال آخرون بأن أصعب شيء هو الصندوق، لأن نتيجته يستحيل توقعها، وحاول المؤيدون للأمين التمسك بمعنويات عالية، من بينهم المكلف بالإعلام، عيسي قاسا، الذي أصر على أنه في حال عدم فوز الأمين العام، سيتم فتح باب الترشيحات مباشرة لاختيار أمين عام آخر، في حين تمسك المناوئون بإبقاء الدورة مفتوحة، واختيار قيادة جماعية مؤقتة إلى غاية انعقاد المؤتمر الاستثنائي لانتخاب الأمين العام الجديد، وسط تداول بعض الأسماء، من بينها وزير النقل عمار تو وعبد الرزاق بوحارة وصالح قوجيل، وكذا رئيس البرلمان السابق عمار سعداني الذي كان حاضرا، أمس، وغاب عن الدورة المقصيون من اللجنة، من بينهم محمد صغير قارة والهادي خالدي، اللذين اختارا البقاء في فندق مجاور وترقب العملية من بعيد.
بلخادم واجه خصومه وحاول تجاوز الاستفزازات
واضطر عبد العزيز بلخادم التزام مقعده على المنصة الشرفية منذ بداية عملية التصويت إلى غاية نهايتها، أي طيلة أزيد من أربع ساعات كاملة، وهو يراقب من بعيد كل تحركات القاعة، خصوصا مناوئيه الذين بدا بعضهم وكأنهم يحاولون استفزازه، من خلال تبادل التحية والعناق والابتسامات، خصوصا الوزراء الذين وصل أغلبهم الاجتماع متأخرين، وهي نفس الحركات التي بدت على بعض القياديين، في حين تعمد وزراء بعد المناداة على أسمائهم للإدلاء بأصواتهم المشيَ بخطوات متثاقلة للوصول إلى صندوق التصويت لإغاضة بلخادم على ما يبدو، وتذكيره بأنه حان ساعة الحسم، في حين بدا بلخادم منزعجا بعض الشيء، لكنه حاول الحفاظ على معنوياته تحسبا للإعلان عن نتائج التصويت.
التقاء الإخوة الأعداء في موعد عير عادي
وشارك في لقاء أمس 330 عضو في اللجنة المركزية، من بينهم 306 حضروا شخصيا و12 بالوكالة و12 غائبين، وكان عبد العزيز بلخادم أول المصوتين، وذلك تحت هتافات وزغاريد أعضاء في الجنة المركزية، في وقت ظهر الصمت على الأغلبية الساحقة للمشاركين في الدورة، وكان ذلك بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة في نظر العديد من الحاضرين، الذين لم يستطيعوا أبدا التنبؤ بمصير بلخادم، رغم بعض الآمال التي كانت تحدوهم.
.
كواليس
*أجبر تعطل المسجل الموسيقي المخصص لبث النشيد الوطني المشاركين في دورة اللجنة المركزية على أداء نشيد قسما، غير أن بعضهم ظهر بأنه لا يحفظ جيدا المقطع الأول، وكان أداء بعضهم نشازا مزعجا، وذلك بعد أن اضطر الأمين العام الانتظار لبعض ثوان بعد أن افتتح اللقاء في انتظر تشغيل المسجل دون أن يتحقق ذلك.
*بدا وزير النقل عمار تو في كامل معنوياته، وكانت الابتسامة لا تفارق محياه في اجتماع أمس، بدا كله تفاؤلا بشأن إسقاط بلخادم، علما أنه من بين الأسماء القوية التي تتنافس على كرسي الأمين العام.
*قام وزراء الأفلان بجولة داخل فندق الرياض، بعد أن أدلوا بأصواتهم، وكانوا يتبادلون أطراف الحديث فيما بينهم، في حين غادر وزير العمل الطيب لوح لفترة الفندق، لكنه سرعان ما عاد إليه من جديد، وظهر حراوبية وزير الجامعات مضطربا نوعا ما، وظل تقريبا عبد القادر مساهل بمفرده، سواء داخل أو خارج القاعة، ويبدو أنه كان أكثر انشغالا وقلقا مما يحدث بمنطقة الساحل.
*خضع أعضاء اللجنة المركزية للأفلان لنفس الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضت على ممثلي وسائل الإعلام، ولم يسمح لهم بولوج الفندق إلا بعد التأكد من هوياتهم، الأمر الذي أزعج البعض، لكنهم سرعان ما رضخوا للأمر الواقع والتزموا مواقعهم دون إثارة أي فوضى.
*برزت بقوة الوجوه التي كانت محسوبة على الأمين العام السابق للحزب علي بن فليس، من بينهم عباس ميخاليف وصديقي ومعزوزي، وكانوا في توافق تام مع التقويميين الذين كانوا قبل وقت غير بعيد سببا في إسقاط بن فليس من الأمانة العامة وتنصيب بلخادم خلفا له.
*بدا عبد الرزاق بوحارة وكأنه مستعد لتولي تسيير الحزب العتيد إلى غاية تجاوز هذه الأزمة، ولكنه رفض الإفصاح عن ذلك صراحة، مفضلا التريث إلى غاية أن يقول الصندوق كلمته.