بلطجي وأرعن وعلم الشهداء!
حرق علم الشهداء، في إحدى بقاع سوريا الشقيقة، هو جريمة، بغضّ النظر عن مرتكبيها والمهندسين والمسوّقين لها، وبغضّ النظر أيضا عن المستفيدين منها، والمهمّ في كل الذي جرى، أن هذا الاعتداء المقيت، هو عدوان أحمق وأبله وجبان، لا يُمكنه أن يخدم “الثورة” ولا أن يرجّح الكفـّة لأي طرف في النزاع الدامي بين الأشقاء الفرقاء بسوريا!
من الطبيعي أن يغضب الجزائريون لحرق علم شهدائهم، فهو إساءة وإهانة لا يُمكن السكوت عنها، حتى وإن كان السكوت عن الأحمق جوابه، لكن يجب التنبيه هنا، إلى أن الذي أحرق علم جزائر الأحرار، لم يستهدف فقط “الموقف الجزائري”، ولم يستهدف فقط السلطة في الجزائر، بدعوى ما قد يعتبره الحارق، دعمها لنظام بشار الأسد..إن حرق العلم الجزائري هو اعتداء سافر على كل الجزائريين.
علم الشهداء، هو ملك لكلّ الجزائريين، وهو أحدّ مقدسات الجزائر الحرّة والمستقلة، وهو ملكية جماعية يُدافع عليها الأفراد والجماعات، بل هو علم سقط من أجله وفي سبيله مليون ونصف المليون من الشهداء الأبرار، ولذلك، فإن حارق هذا العلم، سواء كان سوريا مواليا للمعارضة، أو سوريا مطيعا للنظام، قد تورط في ارتكاب جريمة لا تغتفر!
عندما أحرق مجموعة من الحمقى الممثلين للمحامين المصريين، في عزّ نظام المتنحـّي حسني مبارك، لا لسبب سوى لأن الجزائر تأهلت للمونديال على حساب مصر، ثارت ثائرة الجزائريين عن بكرة أبيهم، مدافعين عن عزّة وطنهم وكبرياء علمهم، ووصية شهدائهم، ولم تكن تلك الانتفاضة سوى مرآة عاكسة للروح الثورية وغريزة المقاومة التي تسكن كلّ جزائري.
حتى وإن أدانت بعض الأطياف السياسية في سوريا حرق العلم الجزائري، ووصفته بأنه “سلوك أرعن من ورائه مندسّ”، فإن الجريمة تستحق العقاب بدل بيانات الشجب، وحتى إن كان الظرف غير موات الآن في سوريا، لإلقاء القبض على هذا “الأرعن”، فإن العقاب يجب أن يكون، ولو بأثر رجعي!
جريمة حرق علم الشهداء، لا يُمكنها أن تسقط بالتقادم، ولذلك، مازال أغلب الجزائريين، يُطالبون إلى اليوم، بمعاقبة المحامين “البلطجية” المتورطين في حرق العلم الجزائري، “احتجاجا” على إجهاض مشروع التوريث الذي كفـّنه المونديال في ملعب المريخ، ثم دفنه المصريون أنفسهم في ”ميدان التحرير”!
هو علم الجزائر الذي رفرف فوق أرض سيناء، خلال الحرب العربية المفتوحة مع إسرائيل، حيث مازال نائما مع رفات الشهداء الجزائريين المدفونين هناك، وهو علم الجزائر رفرف ومازال يُرفرف فوق الأراضي السورية، ليس فقط بالسفارة الجزائرية، ولكن كذلك بالبيوت الجزائرية الآمنة المفتوحة منذ أن هجر الأمير عبد القادر إلى بلاد الشام الأشمّ، ففتح له إخوانه السوريون باب الحارة.
حرق علم الجزائر، يبقى تعبيرا متطرفا ومتزلّفا يستدعي الذمّ والاستنكار، حتى وإن كان فعلا معزولا واستعراضيا، لكن لا يُمكن لعلميات الحرق الرعناء أن تلغي علم الشهداء أو تقضي عليه، فهو الجزائر وهو كل الجزائريين، وهو تاريخ لم تمحه 130 سنة من الاستيطان والاستعمار، فقد ظل مرفرفا بألوانه الثلاثة وبنجمته وهلاله.
نعم، سيأتي يوم، لا ينفع فيه لا ندم ولا هم يحزنون، وستلاحق لعنة الشهداء، ”البلطجي” المصري و”الأرعن” السوري، المتورطين مع الأشرار في حرق علم الأحرار.