بل نقذف بالبرهان على البهتان فيدمغه…
مرة أخرى يخرج شخص من “جحره” ليبهتني بما فيه، وهو الكذب، الذي يبدو أنه طبع متأصل فيه، لأنه لا تفسير لوصف شخص لا تعرفه لا في سفر ولا حضر، ولم تتعامل معه لا بدينار ولا درهم إلا أن الواصف تعوّد على الكذب حتى صار هو الكذب.. وهذا الواصف يسمى زوايمية العربي. (المفروض أن يسبق الاسم على اللقب..). والدليل الأول على كذبه وصفه لي بجملة من الألقاب لم أدّعها يوما في حياتي.. وأما الكذبة الثانية فهي اتهامي بالانتماء إلى “مجموعة يقودها وزير تربية سابق فاشل..”، ويعلم كل من يعرفني أنني لا أنتمي إلى أي مجموعة يقودها وزير أو غير وزير… وما انتميت إلا إلى “خير جمعية أخرجت للناس”، هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ثم استقلت منها لظروف خاصة، وما أزال مؤمنا بأفكارها، معجبا بجهادها، مقتديا بروّادها، مدافعا عن مبادئها، كاشفا لخصومها… ورحم الله الشيخ العباس ابن الحسين الذي قال لي بالحرف: “مشكلتك يا الشيخ الهادي عزة نفس زائدة” والحمد لله على ذلك، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين. ويختم هذا الذي يتحرى الكذب كذبه بأنني حاسد وغيور من وزيرة التربية الحالية… أما سبب اتهامه لي بما يعلم معارفي أنني بريء منه فهو ما كتبته عن المسمى قدور ابن غبريط. .وما ظلمته ولكن ظلم نفسه..
لقد كتبت عن هذا “القدور” منذ بضع سنوات عندما لم تكن حفيدته شيئا مذكورا، وما كنت أعلم أنها موجودة.. وقد كتبت ما كتبت عندما وجدت وصفا لهذا “القدور” وصفه به الشيخ المولود الحافظي ـ غفر له الله -، هذا الوصف هو “الجنرال”، بالرغم من أن هذا “القدور” لم يكن حتى “كابرال”…
إذن فكتابتي عن هذا “القدور” سابقة ببضع سنوات عن “استواز” حفيدته.. وهي تندرج في كشف من اتخذوا الفرنسيين أولياء من دون إخوانهم الجزائريين، وخدموا فرنسا أكثر مما خدموا الجزائر، وأطاعوا فرنسا أكثر مما أطاعوا الله سبحانه وتعالى، وأكثر مما أطاعوا رسوله – صلى الله عليه وسلم – ومعلوم شرعا أن من يتولى غير المؤمنين فهو منهم، أي ينطبق عليه ما ينطبق على من تولاه.. وفياسا على ذلك فإن من أخذته الحمية الجاهلية وجادل بالباطل عمّن اتخذ الفرنسيين أولياء فهو منه.. وصدق سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – القائل: “المرء مع من أحب “.
أما المرة الثانية التي كتبت فيها عن ذلك “القدور” فهي بعد ما وصفته وزيرة التربية الحالية بـ”العلم” و”الوطنية”، فكتبت ما يعرفه “كبار الحومة” عن ذلك “القدور”ّ ،وما يجهله زوايمية رغم استشهاده بالكاتب دافيد ميرفي وبما قال “الزوايمية” أن ذلك الكاتب كشفه “بشكل أكاديمي في كتابه (leadrship strategy and conflict) وحتى لا يذهب تلاميذنا ضحية ما قالته “وزيرتهم”. وقد كنت عند كتابتي ما كتبت موضوعيا، وقلت إنه “لا تزر وزارة وزر أخرى” و”كل امرئ بما كسب رهين”… ولا أنفي تشنيعي على بعض ما قالته، أو أوحي إليها أن نقوله، أو تغمض عينيها عنه عن التدريس بالدارجة…
وأما عما قلته من أن فرنسا أرسلت قدور ابن غبريط للضغط على “الشريف” حسين لإخبال أمر الأتراك فهو معروف، وزوايمية فقط هو الذي “لا يعرف مساوئ ابن غبريط”، وقد كشف نفسه عندما قال “قدمت شهادتي حسب ما قيل لي”… إذن فقد قيل لك: “قل”، فقلت… وكنت أذنا، لا بصرا ولا بصيرة…
يعلم الذين يتابعون ما أكتبه وما أقوله أنني حريص على ذكر مراجعي، وما قلته عن قدور ابن غبريط لم “يقله” لي أحد، وإنما قرأته في عدة كتب أكاديمية ككتاب “الجزائريون في المغرب”، وهو أطروحة دكتوراه للأستاذ محمد أمطاط، وكتاب “فرنسا ومسلموها” للباحث صادق سلام، وكتاب “الجالية الجزائرية في المغرب الأقصى..” للدكتور محمد يعيش فقد “كانت مواقفه كلها تخدم الوجود الفرنسي بالمغرب، بداية بالضغط على مولاي يوسف لاتخاذ موقف مناهض للثورة الريفية، وبعدها تأييده للظهير البربري، وانتهاء بتأييده لتولية ابن عرفة ومناصرته”.. وهذا ما جعل فرنسا “تنعم” عليه بمنصب “مستشار لوزارة الخارجية الفرنسية فيما يهم السياسة الإسلامية سواء في المغرب أو الشرق الإسلامي أو في أوروبا”، ولهذا كان المسلمون يطالبون برحيله عن مسجد باريس “الذي أصبح إقطاعا له” كما يذكر الأستاذ مالك ابن نبي في مذكراته (ص 94 من ط 2 لدار الفكر). وممن طالب بذلك المناضل بلقاسم راجف (من حزب نجم شمال افريقيا) والأستاذ الفضيل الورتلاني ممثل جمعية العلماء في فرنسا… (انظر صادق سلام… ص 103 و207) ووصل الأمر بابن غبريط إلى الوشاية بمعروف الدواليبي حسب مذكرات هذا الأخير.. (انظر جريدة الحياة في 24 مارس 2015. ص2).. وقد أشاد به اليهود لمساهمته في إنقاذهم من النازيين في باريس “بمنحهم وثائق شخصية على أنهم مسلمون” كما جاء في الجريدة المذكورة… و”قد استعملته فرنسا خلال الثورة “العربية” في سنة 1916 رئيسا للبعثة الموجهة إلى شريف مكة…” (محمد أمطاط: الجزائريون في المغرب.. ص 169)..
وإن كان الزوايمية في ريب من إرسال فرنسا لهذا “القدور” إلى “الشريف” حسين فليقرأ التقرير الذي كتبه مصطفى شرشالي عن هذه “المهمة”، وقد ترجمه أستاذنا الدكتور أبو القاسم سعد الله، ونشره ضمن كتابه “على خطى المسلمين” (ص ص 66-135)… وبالمناسبة فمن بين هذا الوفد الفرنسي يوجد شخص آخر يجادل عنه الزوايمية، ويتشرف بقرابته العائلية معه، وهذا الشخص هو الكولونيل قاضي الشريف… ولست متأكدا الآن إن كان هذا الـ”قاضي” – أو قاضي آخر – هو الذي قدم تقريره إلى فرنسا عن الفضيل الورتيلاني بعد ثورة 1948 في اليمن …؟ وقد كان خادما في القنصلية الفرنسية في جدة… وقد نشر الدكتور محمد الأمين بلغيث هذين التقريرين في بعض مقالاته.. ونشرا في مجلة “الموافقات“..
ومما جاء في تقرير “القاضيّ” مصطفى شرشالي أن الشيخ النقشبندي خاطب الوفد قائلاً: “من المأمول أن تستعيدوا استقلالكم في يوم من الأيام”، فما كان من بن غبريط إلا أن أجابه: “إننا نحمد الله على أن “ميكروب” هذا المرض – الاستقلال – غير معروف عندنا” (ص114 ). وشهد القاضي شرشالي شهادة زور عندما ردّ على الشيخ النقشبندي الذي لاحظ اضطهاد فرنسا اللغة العربية في الجزائر، فقال “القاضي” شرشالي: “إن ما تقولونه في هذا المجال خطأ كبير، لأن الواقع هو أن التعليم في المدارس الجزائرية يُقدّم باللغة العربية…”، وربما يقصد المدارس الثلاث (تلمسان – الجزائر – قسنطينة) التي يتخرّج فيها المفتون، والقضاة، والمترجمون، وفي هذه المدارس ما فيها..
وقد ذكر “القاضي” شرشالي أن ابن غبريط أخبرهم بأنه “سيحتج” لدى الشريف حسين على الدعاية المعادية لفرنسا التي قام بها مدير مجلة “المنار” الشيخ محمد رشيد رضا (ص 126)، فابن غبريط يريد أن يرضى الناسُ جميعا عن فرنسا.. وأن ترضى عنه.. لأن ابن غبريط الذي وصف بـ “الذليل” (فرنسا ومسلموها ص247) “كان يؤمن بفرنسا ومستقبلها في الجزائر، ويبدو أنه قد ظل على عقيدته هذه إلى أن مات” (سعد الله: على خطى المسلمين. ص 114). ولا أوردُ شهادة الكاتب المصري أحمد حسن الزيات في ابن غبريط في كتابه “وحي الرسالة“.
بعد هذا الخزي يقول الزوايمية “لا أعرف مساوئ بن غبريط” ويكذب علي عامدا متعمدا فيدعي أنني “أكذب” على ابن غبريط وعلى أمثاله من خدام فرنسا الحقيرين كمصطفى بن اسماعيل، وابن قانة، وشكال والباشا بوعلام وغيرهم، فأينا الكذاب؟
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، وكره إلينا الخيانة والخائنين في الأولين والآخرين ومن اتبعهم إلى يوم الدين..