بناء جسر بمواصفات علمية “هندسة وتمويلا وتنفيذا” من السكان بجيجل
انتهى أول أمس وللأبد، رعب وادي جن جن في ولاية جيجل، الذي حفر في ذاكرة القرية قصصا تراجيدية لا تنسى من الغرقى… وتحقق الحلم وأيضا معجزة السكان بتدشين معبر الأمل، الذي أنجزوه من مالهم وهندستهم وجهدهم فقط، فكانت قرية بني فرح في بلدية جيجل، أول أمس، مسرحا كبيرا في الهواء الطلق، لفرحة أهـالي القرية ومئات القادمين من ولايات عدة لرؤية هذه التحفة الفنية التي قال عنها أهل الاختصاص في الهندسة المدنية، أنها لا تختلف عما تنجزه أكبر الشركات في قطاع الطرقات والجسور بما فيها الأجنبية.
عرس كبير لم يتخلف عنه حتى النساء والأطفال ليشهدوا بأنفسهم نهاية كابوس توارثه أهل القرية أبا عن جد، ونهاية أسطورة هذا الغول الذي يسمى وادي جن جن لتتوقف بذلك قائمة ضحاياه إلى الأبد، والذين فاق عددهم العشرين شخصا أغرقهم الوادي في سنوات مضت أغلبهم من الأطفال وكبار السن، ومنهم ثلاثة لم يعثر عليهم إلى غاية اليوم .
المعبر الذي اتخذت هندسته من دراسة تقنية لمشروع أتلفه الغبار في أدراج مصالح البلدية، بعد أن تم التخلي عن فكرة إنجازه لاحقا، يبلغ طوله أربعين مترا وبعرض متر واحد، دعم بكوابل وبأعمدة على ضفتي الوادي، وهو شبيه بجسر بني هارون المعروف بولاية ميلة الذي يمر على السد الكبير. وبمدخله كتبت بالبنط العريض أسماء ضحايا الوادي، كتذكار لأرواح كان أيضا حلمها جسر يربط القرية بالعالم الكبير.
لكن يبقى الأغرب أنه لم تتعد تكلفة إنجازه مائة مليون سنتيم، تم جمعها من طرف أبناء المنطقة وحتى من طرف بعض الخيرين من خارج ولاية جيجل، ممن استهوتهم المغامرة. ووسط الغابة تمت مراسيم التدشين في عرس كبير لم تغب عنه الزغاريد والبارود، ليكون بذلك أول مشروع يدشنه الشعب من ماله وإنجازه وإرادته في ولاية جيجل والجزائر، بالرغم من حضور السلطات المحلية، وهو ما قرئ على أنه اعتراف منهم بطينة المنجزين ومغامرتهم التي كانت قبل شهرين مجرد حلم لا يصدقه الكثيرون .
هي نهاية مأساة ـ يقول السكان ـ ونهاية كابوس عمّر طويلا ولم ينته حتى في زمن البحبوحة المالية، وكان قدره أن كانت نهايته في زمن التقشف، وانهيار سعر النفط الذي لا يفقه أرقامه ولا ريعه المنجزون… وبعد اليوم لن يتأخر طفل عن جرس المدرسة في فصل الشتاء، ولن تنزع الأحذية لبلوغ لقمة العيش، ولن تتأخر امرأة عن موعد الطبيب او القابلة إن جاءها المخاض.