بناء “يثرب رقمية” لتجديد سنة الهجرة
هل تعجز أمة المليار ونصف مليار عن بناء “يثرب رقمية” وفضاء تواصل اجتماعي مسلم، يهجر إليه الشباب المسلم من فضاء المصفوفة الغربية الملوث بثقافة الكراهية والإساءة، وترك كلاب الغرب المسعورة تنبح حتى قيام الساعة؟
لم يكد العالم الإسلامي ينهي مظاهر الغضب من الفلم الأمريكي المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يصدم المسلمون مجددا باستفزاز آخر من نفس الطينة الآسنة، يصدر هذه المرة عن صحيفة فرنسية ساقطة، اعتادت على تدوير بقايا ما يصدر من الاستفزازات في الدول الغربية.
وقد يكون من العبث الصرف، المماحكة مجددا في ما تدعيه الحكومات الغربية من وجود قيود دستورية وقانونية تمنعها من تجريم هذه الأفعال أو منعها، لأنها تخدم بشكل من الأشكال مصالحها، حتى حين تتعرض بعض مصالحها في العالم الإسلامي للتهديد، مادامت هذه الاستفزازات تسمح لها بإبقاء الشارع العربي والإسلامي في حالة تأزم متواصل، غير واثق من نفسه، متصادم مع حكومات بلده التي أخفقت حتى الآن في الدفاع عن كرامته ومقدساته.
.
إعادة تدوير خبل دانتي وسفاهة فولتير
وقد يكون من المفيد البحث في تدبير سلوك آخر، غير هذا الاندفاع المنفلت نحو التظاهر، الذي لن يغير من سيرة الغرب وسلوكه مثقال ذرة، أو التحرك نحو الاستهداف غير المدروس لبعض مصالح الغرب، هو في الغالب يتوقعها ويتحمل كلفتها الزهيدة، بل يحمل في الغالب حكوماتنا دفع ثمنها عشرة أضعاف أو أكثر.
“إن معاداة المجتمعات الغربية للإسلام والمسلمين قديمة قدم الصدام الأول بين الحضارتين، حتى أن إساءة الشاعر الكهنوتي دانتي للرسول في “الكوميديا الإلهية” لا تضاهيها سوى إساءة العلماني فولتير الذي تسمى به اليوم كثير من شوارع مدن العرب والمسلمين”.
لست بحاجة إلى التذكير بأن معاداة المجتمعات الغربية للإسلام والمسلمين قديمة قدم الصدام الأول بين الحضارتين، منذ ظهور الإسلام كقوة تحرر للبشرية، أطاحت بالإمبراطورية الرومانية المسيحية، وأخرجت ثلاثة أرباع مستعمراتها حول البحر الأبيض المتوسط من هيمنة الإمبراطوية، ومن التبعية للكنيسة المسيحية، فلم تخلُ كتابات أرباب الكنيسة من كمّ هائل من الإساءة للدين الجديد المزاحم لها، ولا من الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى أن شاعر الكهنوت الإيطالي دانتي، وهو يؤلف “الكوميديا الإلهية” كان كمن “يأكل الغلة ويسب الملة” ينقل من روايات المسلمين عن أوصاف جهنم، قبل أن يتطاول على الرسول وكبار الصحابة بالإساءة، ولم أقرأ إساءة للرسول أخبث من إساءة العلماني فولتير الذي تسمى به كثير من شوارع مدن العرب والمسلمين، بما يؤكد أن استخفاف الغرب بأنبياء الله ورسله متأصل في الثقافة الغربية، إلا أن غياب نظائر لوسائل الاتصال الشعبية الحديثة كان يمنع وصول الإساءة إلى مسامع العامة من المسلمين.
ثم إن المسلمين كانوا وقتها في موقع الصدارة والقيادة، فلم يكونوا ليلتفتوا كثيرا إلى الكلاب وهي تنبح، ونقرأ في كتاب “الملل والنحل” لابن حزم، كيف كان المسلمون يحاجون أهل الكتاب بالرأي والرأي الآخر، ويردون على ما كان أحبار المسيحية وحاخامات اليهودية يروجونه من إسفاف وخبَل حول الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم، دون السقوط في التجريح، لا في عقيدة المسيحيين ولا في عقيدة اليهود، ذلك لأن المسلمين كانوا وقتها هم أرباب المصفوفة المهيمنة سياسيا، وعسكريا، وعلميا، وثقافيا، وليس هذا حال الأمة اليوم.
.
الخروج من مصفوفة قوى الاستكبار..
محاولة تهييج المسلمين في بحر أسبوع بفيلم سفيه، ورسوم ساقطة تصدر عن صحيفة فرنسية هابطة المستوى، تتقوت من نشر ثقافة الاستفزاز، هو الذي ينبغي أن يستفزنا للبحث عن سلوك آخر، غير التشكي ولطم الخدود، حالنا حيال تكرار هذه الإساءات الاستفزازية، كحالنا في قصورنا المزمن في التعامل مع المصفوفة الغربية المهيمنة في السياسة، والاقتصاد، والعلوم، مع توفر الأمة على وسائل كثيرة للرد على مظالمها، بتدبر الخروج من شبكتها العنكبوتية الأخطر، التي تمسك بأطراف الأمة في جميع مناحي الحياة، وليس فقط شبكة الاتصال المعاصر ومواقع التواصل الاجتماعي فيها.
قبل ثلاثة أسابيع كنت ـ في مقال تصدى للمؤتمر الأخير لمنظمة عدم الانحياز ـ قد وضعت اليد على ما في حراك دول عدم الانحياز من نفاق ودجل على الشعوب، وأكثرها من العالم الإسلامي، وقدمت للموضوع بهذه الجملة: “في عالم حوله “العقب الحديدي” الغربي إلى مصفوفة خادمة للصفوة من الأوليغارشيين، يكون من قبل صناعة الأساطير المخدرة للشعوب، التعويل على الدول “المنحازة” في منظمة عدم الانحياز، الإطاحة باستبداد الاستكبار العالمي، قبل تفكيك مصفوفته المتحكمة في خيرات الشعوب، وصناعة الحروب بدل السلام”.
.
..وتحرير المسلم من القابلية للاستعمار
ولعل القارئ يكون قد أدرك المقصود، من أن التحرر من المصفوفة الغربية المهيمنة، إنما يكون بالسعي إلى بناء مصفوفة بديلة يكون فيها للمسلمين، ولعموم شعوب الجنوب، موقع الندية في الحد الأدنى، وأن ترك شعوبنا ودولنا تحت رحمة مؤسسات النظام العالمي الغربي، هو حالة موصوفة من حالات ترسيخ ثقافة القابلية للاستعمار كما عرفها مالك بن نبي، بل هي اليوم أكثر تجذرا مما كانت عليه في زمن الاستعمار القديم.
“الاستفزاز الأكبر هو في الخطاب الذي يجلد ظهورنا بإلقاء اللوم على الشعوب، واتهامها بالإساءة بسلوكها “غير الحضاري” للإسلام، وتعييرها ب”السلوك الحضاري” للشعوب الغربية، وكأن شعوبنا محض همج ورعاع، تحتاج إلى إعادة التربية والتأهيل”.
وإلا، كيف نتفهم ذلك التصرف الأحمق المنافق لحكوماتنا، ومنها تحديدا الحكومات التي جاء بها الربيع العربي، وهي تخادع شعوبها باستنكارها لما يصدر من إساءات غربية لمعتقد المسلمين، بل وقيام بعضها بدعوة الشعوب للتظاهر، قبل إرسال قوات الأمن لقتل المتظاهرين، كما حصل في تونس واليمن ومصر، وصياغة خطاب مهادن للحكومات الغربية كان أكثره اعتذارا مهينا، نيابة عن الشعوب، ليحولوا شعوبهم من ضحية مستفزة مظلومة، إلى شعوب متهمة بالغوغائية، تحتاج حكوماتها إلى الاعتذار نيابة عنها لجميع شعوب العالم.
.
جلد ظهر عُمر بفقه من “يجلد عميرة”
أعظم أوجه النفاق والاستهتار بالشعوب المسلمة، صدرت هذا الأسبوع عن النخب السياسية، والدينية، والإعلامية العربية والإسلامية، كانت في اعتقادي أشد ألما للمسلم من الخداع والنفاق الغربي الذي تعودنا عليه، وإلا كيف نصنف الخطاب الرسمي للقيادات السياسية الجديدة في تونس ومصر تحديدا، وهي تعد كذبا شعوبها بمطالبة الحكومة الأمريكية بملاحقة الجناة أصحاب الفيلم، وهي تعلم مسبقا أن شيئا من ذلك لن يحصل.
ثم كيف لنا أن نثق بصدق مشايخ الأزهر، والزيتونة، ومشايخ الحرمين، وهم يتداولون على منابر القنوات الرسمية والخاصة بخطاب ألِّف على عجل، يذكر المسلمين بواجب احترام حرمة دماء السفراء والأجانب أسوة بسيرة الرسول “ص” وهو حق يراد به باطل، كنا سنصدقه ونعمل به، لولا أن نفس الفقهاء ورجال الدعوة قد أحلوا من قبل دماء كثير من المسلمين بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان تبيح قتل المسلمين وهم آمنين في دار الإسلام.
أكثر ما يستفزني هو هذا الخطاب الأهلي الذي يجلد ظهورنا صباح مساء بإلقاء اللوم على الشعوب، واتهامها بالإساءة بسلوكها “غير الحضاري” للإسلام، وتعييرها بـ “السلوك الحضاري” للشعوب الغربية، وكأن شعوبنا هي من الهمج والرعاع، تحتاج إلى إعادة التربية والتأهيل.
.
تجوع بريطانيا ولا يؤكل من ثدي أميراتها
ففي نفس أسبوع الإساءة للرسول “ص” كانت ستصدر إهانة فرنسية للشعب البريطاني، بمحاولة أسبوعية فرنسية نشر صورة نصف عارية لزوجة حفيد ملكة بريطانيا، لكن الحكومة البريطانية استطاعت توقيف الإساءة ووأدها في المهد، باستصدار قرار من المحكمة أمر بسحب المجلة من التداول.
وقبل هذا كانت كثير من الحكومات الغربية ودولة الكيان الصهيوني قد خرقت مبدأ حرية التعبير، بتوقيف صحف ومحطات تلفزيونية، وحظر برامج إذاعية، كان يشتم منها بعض الإساءة أو النقد للكيان الصهيوني، أو للحروب الإمبراطورية الغربية على المسلمين، واضطرت المواقع الاجتماعية مثل “يوتوب” و”فيس بوك” لسحب مواد متهمة بالإساءة لإسرائيل، وحجبت مواقع فلسطينية كانت تدعو لتفعيل الربيع العربي في فلسطين المحتلة، كما حجبت مواقع لليمين الغربي المتطرف بتهمة معاداة السامية، دون مراعاة لمبدأ حرية التعبير، ويعلم الجميع أن “غوغل إيرث”، التي تنقل على المباشر كل شبر من أراضينا، محرم عليها نشر صورة واحدة عن أي شبر من جغرافية الكيان الصهيوني، أو من المناطق الحساسة في الغرب، وكل ذلك مفهوم لأنهم أصحاب المصفوفة وسادتها.
.
زمن الهجرة إلى فضاء مسلم آمن
شخصيا، لم أشارك بقية الشعوب المسلمة في ما اعتراها من شعور بالاستفزاز، ليس لأني لا أغار مثلهم على نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، ولكن لأني وطنت نفسي دائما على توقع الأسوأ من حضارة غربية تأصلت فيها الهمجية، هي في حرب مفتوحة ضد الأمة الإسلامية منذ معركة اليرموك، ولأني لا أعرض نفسي لمفاعيل هذه الحرب، فلم أقترب من مواقع التواصل الاجتماعي منذ أن علمت أنها أداة حربية، بل هي الأخطر من بين أدوات الحرب، لأنها تستخدم اليوم على نطاق أواسع لاختطاف إدارة الشعوب من أهلها، فلم أفتح موقعا في الـ “فيس بوك” ولا في “تويتر” كما نظفت تلفازي من الفضائيات المسيئة للعقل البشري قبل الإساءة للأديان والمعتقدات والأخلاق، وأعلم مع ذلك حاجة الناس إلى فضاء حر للفضفضة والتعبير عن النفس، لم توفره للأسف حكوماتنا ونخبنا لشعوبها، ليبتعد بها عن فضاء مصفوفة العقب الحديدي وإساءاته.
“ليس من الصعب بناء فضاءات مثل “يو توب” أو “فيس بوك” أو “تويتر” تسمح للمسلم بانجاز الهجرة من فضاء الكفر والإساءة، إلى فضاء مؤمن أمن، حتى إذا دخل بإرادته على فضاء المصفوفة الغربية، بما فيها من إساءة واستفزاز لا يلومن إلا نفسه”.
لأجل ذلك لا ألتفت اليوم، لا لغضبة فقهاء الأزهر والحرمين، ولا للتنديد المنافق الذي صدر عن حكومات “إسلامية”، وقد كان بوسعها أن توفر للشعوب المسلمة فضاء تواصل اجتماعي وإعلامي مستقل عن فضاء مصفوفة الغرب، يمنع منه كل ما اشتمل على إساءة للمعتقدات والمقدسات. فليس من الصعب بناء فضاءات مثل “يوتوب” أو “فيس بوك” أو “تويتر” تكون متاحة للمواطن المسلم، تسمح له بإنجاز الهجرة من فضاء الكفر والإساءة، إلى فضاء مؤمن أمن، حتى إذا دخل بإرادته على فضاء المصفوفة الغربية، بما فيها من إساءة واستفزاز لا يلومن إلا نفسه، أو لأنه إنما يفعل ما يفعل من جهة التعرف على العدو، كما قال الشاعر الألماني “غوته”: حتى تعرف جهنم عليك الذهاب إلى جهنم.
.
بناء يثرب رقمية لتجديد سنة الهجرة
الاستمرار في العويل ولطم الخدود، سواء تعلق الأمر بالإساءة للمسلمين من خلال مؤسسات النظام العالمي، مثل الأمم المتحدة ومجلس أمنها، ومنظماتها الحقوقية المنافقة العاملة بأكثر من معيار، أو على ما يصدر من إساءة واستفزاز من المنظومة الإعلامية الغربية، مع الإصرار على البقاء داخل المنظومتين هو الاستفزاز الذي لا نلوم عليه سوى حكامنا ونخبنا وأنفسنا.
وكما أن الإفلات من سيطرة العقب الحديدي الغربي على مفردات السيادة السياسية والاقتصادية، لن يتحقق للمسلمين إلا بخروجهم من المصفوفة الغربية المهيمنة، وبناء مصفوفة إسلامية توسع لشعوب ودول العالم الثالث المشاركة لنا في المظلومية، فإن الإفلات من قبضة مصفوفته الثقافية والإعلامية، التي تختطف اليوم شعوبنا، وتحتل العقول قبل الأوطان، لن يتحقق إلا ببناء مصفوفة ثقافية وإعلامية إسلامية مستقلة، توفر للمواطن المسلم حيثما وجد أرض هجرة من فضاء الشرك والإساءة، إلى فضاء يأمن فيه المسلم على عقيدته، وثقافته، ومنظومته الخلقية، دون الالتفات إلى ما يتداول في فضاء الدجال.
وحتى إذا كان يتعذر اليوم بناء كيان سياسي يحمي المسلمين ويصون مصالحهم وكرامتهم، فإن بناء فضاء افتراضي إسلامي، يثرب رقمية، يهاجر إليها المسلم بدينه وثقافته، هو أيسر واقل كلفة وأنفع للمسلمين من أية تظاهرة يحولها الإعلام المهيمن إلى مصدر لتوليد إساءة إضافية للمسلمين.