بنجامان ستورا لـ”الشروق”: لا يمكن إخماد “حريق الذاكرة” بمجرد قرار
تحدث المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا في ردوده على أسئلة “الشروق” عن التطورات الأخيرة التي عرفتها العلاقات الجزائرية-الفرنسية والاستئناف التدريجي للحوار بين الجزائر وفرنسا، عقب زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز ألى الجزائر يومي 16 و17 فيفري الماضي.
وقال ستورا: “بين فرنسا والجزائر، للأسف، يظلّ البعد العاطفي حاضرًا بقوة، سواء في الخطاب أو في اللغة المستخدمة: مشاعر نابعة من طول فترة الاستعمار، الألم، والانفعالات التي تصطدم باستمرار بعلاقات كان من المفترض أن تكون واضحة “دولة إلى دولة”. فالأحداث المتكررة، والتطورات المفاجئة، والتصريحات الحادة، والحملات المختلفة، كلها تواصل التشويش على العلاقات الجزائرية-الفرنسية. كل هذا سيترك آثارًا، لكنه لن يمنع، في تقديري، من استئناف الحوار بين البلدين”.
وكان لوران نونيز قد قال في كلمة مقتضبة ألقاها عقب استقباله من طرف الرئيس عبد المجيد تبون في 17 فيفري إنه “سعيد وراض” عن الزيارة التي قادته إلى الجزائر.
وهذا بعد أن شن سلفه اليميني الشعبوي برونو ريتايو أثناء توليه حقيبة وزارة الداخلية، حملة على الجزائر، يدعمه فبها اليمين المتطرف وبعض وسائل الإعلام بالأخص تلك التابعة للملياردير فنسان بولوري.
إقرأ أيضا – سنة 2025.. الأزمة بين الجزائر وفرنسا كما عشناها
ويعد المؤرخ بنجامان ستورا من الشخصيات المسموعة في فرنسا والمحترمة في الجزائر وقد عاد في حديثه إلينا إلى العوامل، من الجانب الفرنسي، التي ساهمت في هذا الانفراج النسبي مؤخرا في العلاقة بين الجزائر وباريس: “كانت هذه السنة صعبة، حيث شعر الجزائريون بوجود حملة قوية معادية لهم. فقد توالت النقاشات التي أربكت العلاقة الهادئة التي يُفترض أن تجمع فرنسا بدولة كبيرة مثل الجزائر. غير أن زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر، لوران نونيز، أعادت إطلاق الحوار، وهو ما يُكذّب الأطروحات التي تدعو في فرنسا إلى “قطع” العلاقات بين البلدين. وأعتقد أن النقاشات تمحورت حول قضايا الهجرة والأمن.”
ومنذ الاستقلال تشهد العلاقات بين الجزائر وباريس توترات دورية، حتى ولو كانت الأزمة التي انطلقت منذ 2024، كما وصفها الكاتب والوزير الفرنسي السابق عزوز بقاق في حوار مع “الشروق” بأنها “أزمة خطيرة، تختلف عن سابقاتها، لأنها ستترك ندوبًا“.
وعن الشروط الضرورية من الجانب الفرنسي، لبناء علاقة هادئة ومتوازنة على المدى الطويل بين البلدين، يقول بنجامان ستورا: “في فرنسا، ينبغي الانتباه إلى كيفية التعامل مع تاريخ البلدان التي كانت مستعمَرة سابقًا. ولا يخصّ الأمر الجزائر فقط، بل يجب أيضًا النظر إلى مواقف الشباب في بلدان إفريقية أخرى، الذين يرفضون كل أشكال الاستعمار الجديد. لذلك، فإن بناء علاقة هادئة يمرّ عبر ترسيخ مبدأ الاحترام المتبادل.”
ويترأس بنجامان ستورا من الجانب الفرنسي، لجنة الذاكرة الجزائرية الفرنسية حول فترة الاستعمار (1830-1962)، وهي اللجنة التي تتكون من عشرة أعضاء (5 مؤريخ جزائريين و5 مؤرخين فرنسيين)، وتهدف لمعالجة ملفات الحقبة الاستعمارية الفرنسية بإنصاف. والتي سبق لها الاجتماع عدة مرات في هذا الإطار، منذ إطلاقها في أوت 2022، لتتوقف نشاطاتها منذ صيف 2024 بسبب الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا.
إقرأ أيضا – هذه الممتلكات التاريخية الإستعمارية غير قابلة للإرجاع!
وعلى سؤال “الشروق” حول إمكانية إعادة تفعيل اللجنة على المدى القريب، أجاب بنجامان ستورا قائلا “لمَ لا؟”، قبل أن يضيف “لكن لا يمكن، بإجراء واحد أو قرار واحد، إخماد حريق الذاكرة بهذا الحجم. إنها ورشة كبيرة، بالكاد بدأت، ويجب أن تتكفّل بها أجيال جديدة من الباحثين في فرنسا والجزائر خلال السنوات المقبلة.”
وتطالب الجزائر فرنسا بالاعتراف الرسمي بالجرائم المرتكبة بحق الجزائريين أثناء فترة الاستعمار والاعتذار الصريح عنها، وإعادة الأرشيف الوطني الأصلي، وخرائط التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، ومئات جماجم المقاومين الجزائريين المخزنة في أقبية المتاحف الفرنسية.