-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تصفها بأنها دولة قرار سيادي رغم علاقاتها مع روسيا والصين وأوروبا

دراسة إيطالية: الشراكة مع الجزائر ترتبط بالأمن القومي

حسان حويشة
  • 250
  • 0
دراسة إيطالية: الشراكة مع الجزائر ترتبط بالأمن القومي
ح.م

أكدت دراسة تحليلية ايطالية أن الجزائر التي باتت اليوم أهم محور في سياسة روما الطاقوية، تفوق أهميتها البعد التجاري الضيق لتأخذ قيمة إستراتيجية، لأنها ترتبط بالأمن القومي للبلاد، مشيرة إلى أنه ورغم الهزات الجيوسياسية، إلا أن الجزائر وفرت لروما هامشا أكبر من القدرة على التوقع مقارنة بغيرها من المناطق، وشددت على أن البلد الشمال إفريقي ورغم علاقاته الوطيدة بروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، إلا أنه يتمتع بقرار سيادي غير قابل للتنازل.
في هذا السياق، جاء في دراسة تحليلية موسعة نشرها، الاثنين، موقع “لاميا فينانتسا” الإيطالي المتخصص في الاقتصاد والمالية، أعدّها كل من البروفيسور ماركو باتشيني والمحامي فرانتشيسكو سيرّا، أن العلاقة بين إيطاليا والجزائر باتت تمثل أحد أهم محاور السياسة الطاقوية في حوض المتوسط، مشيرة إلى أنها تفوق في أهميتها البعد التجاري الضيق لتأخذ قيمة استراتيجية لكونها ترتبط بالأمن القومي للبلاد واستقرار الإمدادات والامتداد الإيطالي نحو شمال إفريقيا، وقدرة جنوب أوروبا على تقليص تعرضها للانقسامات الجيوسياسية التي أفرزتها حرب أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط والمنافسة العالمية حول البنى التحتية الحيوية.
ووفقا للوثيقة، فإن الحديث عن الغاز الجزائري هو في الواقع حديث عن المتوسط وعن الاستقلال الاستراتيجي وعن الاستخبارات الاقتصادية، وعن قدرة الدولة على قراءة الإشارات الضعيفة التي تسبق الأزمات.
وتشرح الدراسة أن الجزائر أصبحت، بعد عام 2022، أحد الركائز الأساسية لتنويع الطاقة الإيطالية، فقد فرض التراجع التدريجي للغاز الروسي، الذي بلغ ذروته مع توقف العبور عبر أوكرانيا ابتداء من 1 جانفي 2025، على أوروبا إعادة نظر عميقة في سلاسل الإمداد لديها. وقد سعت إيطاليا إلى تحويل هذا الضعف إلى أداة جيوسياسية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها في الفضاء المتوسطي الموسع.
ويُعد خط أنابيب ترانسماد، الذي يربط الجزائر بإيطاليا مرورا بتونس، شريانا استراتيجيا يربط إفريقيا بأوروبا، ويؤثر في القدرة التنافسية الصناعية وأمن الإمدادات ومكانة الدولة الدولية.
واعتبر معدو الوثيقة التحليلية، أن الشراكة مع الجزائر تكتسب قيمة مضافة عند قراءتها في سياق تزايد عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، موضحة أن التوترات في منطقة الخليج والاضطرابات المتكررة في مسارات الغاز الطبيعي المسال وحساسية مضيق هرمز، تؤكد أن أمن الطاقة بات يعتمد على القدرة على إدارة فضاءات بعيدة ومترابطة وصعبة التحكم بالأدوات التقليدية.
وحسب الدراسة، لم يعد سوق الغاز يخضع فقط لمنطق العرض والطلب، بل أصبح مرتبطا بأمن الممرات البحرية واستقرار الحكومات والقدرة الإنتاجية الفعلية للموردين وضغوط القوى الخارجية، إضافة إلى هشاشة البنى التحتية الرقمية التي تنظم الاستخراج والنقل والتوزيع.
وتشدد الوثيقة على أن الجزائر تمنح إيطاليا قدرا أكبر من القدرة على التوقع مقارنة بباقي مناطق شمال إفريقيا، لكن هذه القدرة تحتاج إلى قراءة دقيقة، حسب معدي الدراسة، حيث أن الجزائر تعتمد سياسة خارجية مستقلة، وتحتفظ بعلاقات تاريخية مع روسيا في المجال العسكري، ولديها علاقات اقتصادية مهمة مع الصين، مع انفتاح على التعاون مع أوروبا من دون التخلي عن سيادتها في القرار.
وبالنسبة لروما، تواصل الدراسة، فإن ذلك يعني التحرك في إطار يتطلب واقعية سياسية واستمرارية دبلوماسية وقدرة تحليلية، فالجزائر شريك قوي، لكنها فاعل سيادي ضمن منظومة معقدة من التوازنات، ولهذا يجب إدارة العلاقة معها كملف استراتيجي وليس كمجرد توريد تجاري.
ويظهر المثال الجزائري، حسب الوثيقة، تطور مفهوم الأمن، حيث لم يعد الأمن القومي مقتصرا على الحدود أو الدفاع العسكري، بل أصبح يشمل الطاقة والبيانات والبنى التحتية وسلاسل التوريد والتكنولوجيا والموارد الحيوية والموانئ والكابلات البحرية والشبكات الرقمية والقدرات الصناعية، مشيرة إلى أن الأزمة الطاقوية قادرة على التأثير في الصناعة والتضخم والتنافسية والاستقرار الاجتماعي والدبلوماسية.
وخلص معدو الوثيقة إلى أن علاقة روما مع الجزائر تمثل اختبارا لمدى النضج الاستراتيجي الإيطالي، وحسبهم، فالشراكة القائمة على الطوارئ فقط تبقى قصيرة المدى، بينما الشراكة المبنية على الاستثمار والتكوين والتكنولوجيا والتنمية المشتركة والتحول الطاقوي قادرة على إنتاج قيمة مستقرة، ولذلك تبرز خطة “ماتاي” كونها الإطار الأهم إذا نجحت في تحويل الطاقة إلى مشروع تعاون سياسي واقتصادي شامل.
ولا يمكن لإيطاليا، حسب الدراسة، تعزيز موقعها كمركز طاقوي متوسطي من دون اعتماد سياسة استباقية، تسمح برصد المخاطر قبل تحولها إلى أزمات، ولذلك فقد أظهرت أزمة الغاز الروسي كلفة تجاهل المخاطر طويلة المدى، في حين أن الشراكة مع الجزائر، وفي حال ما تم إدارتها برؤية استراتيجية، فقد تتحول إلى نموذج للتنويع والاستقرار وإعادة تشكيل الأمن الطاقوي الأوروبي.
وفي الخلاصة النهائية للدراسة، شدد معدو الوثيقة على أن إيطاليا، بعد أزمة 2022، أدركت أن التبعية الطاقوية يمكن أن تتحول إلى ضعف استراتيجي، لكنها اليوم أمام فرصة تحويلها إلى أداة قوة، شرط أن تفهم أن التنويع لا يعني استبدال مورد بآخر، بل بناء منظومة مرنة قادرة على الصمود، ولذلك فإن العلاقة مع الجزائر تمثل اليوم أكثر من مجرد صفقة غاز، بل اختبارا لقدرة إيطاليا على التفكير في الأمن الاقتصادي كجزء من الأمن القومي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!