الرأي

بنو جلدتنا ومُجاراة الغرب في معاداة الإسلام (الجزء الأول)

بقلم: فريد حاجي
  • 560
  • 0

إنّ الحملة على الإسلام ليست وليدة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، لأنّ مجرّد إطلالة سريعة في التاريخ، تشي بأنّ ثنائيّة الصّراع بين الشّرق والغرب قديمة، أي منذ أن أصبح العالم العربي الإسلامي وجها لوجه مع العالم الأوروبّي المسيحي، سواء في الشّرق عند أسوار القسطنطينيّة، أو في الغرب عند حدود الأندلس، ممّا مهّد للصّراع بينهما في ما يُعرف بالحروب الصليبيّة.

لقد نشأت الدّولة العربية في جزيرة العرب والتي تدين بالإسلام عقيدة وتشريعا، وامتدّ نفوذها ليشمل العراق والشّام ومصر، فشمال إفريقيا وشبه الجزيرة الأيبيرية. ثمّ، لم يقف طموح الدولة عند هذا الجزء من أوروبّا، بل حاولت التوغّل إلى الجنوب الغربي لفرنسا، لكن معركة “بواتيي” سنة 732م  المعروفة بواقعة “بلاط الشهداء” بين قوّات التّحالف المسيحيّة بقيادة “شارل مارتل (688-741م) وبين الجيش الإسلامي بقيادة “عبد الرحمن الغافقي” (650-732م) وضعت حدّا لهذا التوسّع. ومع ذلك، تمكّن الأغالبة في تونس  في القرن 9م من اجتياز المتوسط إلى “صقلية” التي كانت جزءا من بيزنطة، وسقطت بعدها العديد من المدن الإيطالية في يد المسلمينمستغلّين الانقسامات بين الحكومات الداخلية لمدن إيطاليا.

مخاوف الغرب المسيحي من التمدّد الإسلامي

صحيح، هناك شعوبٌ ارتضت بالمشروع الثقافي/ الإسلامي عن طواعيّة وقناعة، ولو بعد حين، لكن ذلك لا ينسحب على الغرب المسيحي، إذ أثارت الهويّة الثقافيّة بمختلف مستوياتها حميّته حين حلّ المسلمون بأراضيه، مثلما كان الشّأن للمسلمين بعد احتلال الصّليبيّين لبيت المقدس. وقد استثمرت أوروبّا ما كان يجرى داخل البيت الإسلامي من صراعات في الأندلس، ووظّفته في التهيّؤ لاستعادة الأرض وحماية هويّة هذا الجزء الأوروبي عبر ما يسمّى حرب الاسترداد (717-1492م) بزعامة “بيلايو” (685-737م) وكانت البذرة الأولى لهذه العمليّة.

كذلك، تجلّى هذه الحمية أيضا لدى الكارولنجيين بقيادة “شارلمان” (توفي العام 814م). وحسب “بول روكس” فإنّ الغرب لم يكن غافلا عمّا يجري في إسبانيا، أو غيرها من المناطق التابعة لأوروبّا، وكان عليه أن يثير حميّة الحرب المقدّسة، وترك المنافع ولو مظهريّا، بغية التفكير في تسيير حملات باتّجاه إسبانيا. (Jean-Paul, Roux, l’Islam en Occident..; 1959, p. 33.)

انطلاقا من خشيته على هويّته، خرج الغرب الأوروبي تحت راية الصّليب غازيّا المشرق العربي بحجّة حماية أوروبّا من الإسلام، فأضفى على حملاته الصّفة الصليبيّة المقدّسة. وقد اتّخذ الصّراع في هذه المرحلة طابعا جديدا لم يعرفه من قبل، وهو “الطّابع الدولي”؛ إذ اشترك في هذه الحروب معظم شعوب أوروبّا الغربيّة التابعة للكنيسة الكاثوليكيّة التي تتزعّمها البابويّة، إذ دعّم البابا “أوربان الثاني” (1035-1099م) حرب الاسترداد، ودعّمها البابا “إسكندر الثاني” (1010-1073م)، ناهيك عن البابا “غريغوري السابع” (1020-1085م) صاحب المكانة البارزة في تطوير فكرة “الحرب المقدّسة”، وهو الذي استخدم عبارة “جيش المسيح”، ودعا إلى نجدة الكنيسة ومحاربة المسلمين الذين يهدّدون القسطنطينية، وهو من أعدّ الأرضية للقيام بالحروب الصليبية، ومهّد الطريق الذي سيسلكه البابا أوربان الثاني. كلّ ذلك، يوحي باستنفار القوى الغربية المسيحيّة لمواجهة الإسلام كمرجعيّة.

عبّر عن هذا التوجّه بكلّ وضوح النقيب “ش. ريشارد” العام 1848م حين كتب قائلا: “… حينما نريد غزو بلد بالمعنى الكامل للكلمة، فإنّ الأمر يتطلّب خطوتين يجب تنفيذهما: غزو الأرض وهو الجانب المادّي من العمليّة، ثمّ غزو أذهان الشّعب الذي يقطنها… وذلك عبر الأفكار، وقد تدوم قرونا إذا كان الغازي مسيحيّا والمغزوُّ مسلما”.

إذا سلّمنا بأنّ المواجهات التي حدثت بعيدا عن الأماكن المقدّسة على أنّها صراعٌ على فرض السيادة على البحر المتوسط والتحكّم في طرق التجارة، فإنّه في المقابل، حريٌّ بنا أن نتساءل: أنّى لحضارة أو ثقافة ما أن تطرح نفسها -بل تُفرض- على الآخرين دون التمكّن من توافر أدوات القوّة الضرورية للفعل الحضاري، وفي مقدّمتها الأفكار التي يقوم أصحابها بتحويلها إلى منظومات مختلفة، تُعنى بالشّأن الاقتصادي والمجال العسكريّ، وبالتالي تعزيز الاستقرار السياسي، والسّلم الاجتماعي؛ ويتطلّب السّير في مثل هذا الاتّجاه الثّروة الماديّة سواء داخل المجتمع، أو البحث عنها في رُقع أخرى.

إنّ البحث عن الثّروة، كان في خدمة الحضارة. هذا المسار شهدته الدّولة الإسلامية في عصرها الذهبي والذي استفاد الغرب من ثماره، كتجربة فيما يخصّ عوامل قوّة الفعل الحضاري فيها، وحقّق الوثبة تلو الأخرى، حتّى بات يشكّل “الأنموذج” في وقت انسحبت فيه الحضارة الإسلامية من التاريخ أو تكاد.

لكن عادة ما يطغى البعد المادّي في قراءة الظّاهرة الصليبيّة عند العديد من النخب العربيّة، كون خطاب “البابا” ذكر الحافز المادّي، بقوله “إنّ الأرض في الغرب الأوروبي ضاقت بسكّانها”، ودعا المشاركين إلى “الذّهاب إلى الشّرق، حيث أرض كنعان التي تفيض لبنا وعسلا”. وفي منظور هذه النخب، أنّ العبارة تؤكد على أنّ الدّافع الاقتصادي توافر لدى تلك الحركة الناشئة منذ اللّحظات الأولى لميلادها. كما وجدت العبارة هوى في نفوس ملوك أوروبّا العصور الوسطي حينذاك الذين أرادوا تكوين أملاك لهم في الشّرق. كما أنّ المدن التجارية الإيطالية مثل جنوة وبيزا والبندقية أرادت المشاركة في الحرب الصليبية ليس بدافع ديني، بل من أجل المال والنفوذ التجاري في البحر المتوسط ومنافسة الإمبراطورية البيزنطية على المستوى التجاري، حتّى الأقنان أرادوا المشاركة للتخلّص من أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية المزرية.

تلك هي خلفيّة الحرب الصليبيّة عند هذه النخب، ولا يتمّ الإشارة إلى البعد الديني إلاّ لعمليّة الحشد قصد تحقيق البعد المادّي.

لقد وصف “ابن كثير” على سبيل المثال لا الحصر، تلك الحرب بقوله: “… إنّها حربٌ ثأريّة بين المسيحيّة والإسلام، وإنّها فعلا بدأت أصلا في الأندلس”. بمعنى، إنّ ردّ فعل الغرب تجاه الشّرق جاء كتعبير عن الدّفاع عن هويّته بأبعادها المختلفة، وقد كان الردّ بالقوّة العسكريّة كما أسلفنا، وبدعم كامل من رجال الدين الذين بدا لهم المستقبل مخيفا، ذلك: “… أنّ التمثّلات عن الإسلام في البُنية الذّهنية للأوروبيّين، وفق القوالب النمطيّة التي سادت في القرون الوسطى، كانت راسخة بصورة عجيبة، وأعطت مؤشّرات واضحة على تأثيراتها في القرون اللاّحقة، وينبغي التّذكير بأنّ هناك رؤية فكريّة قد تهيّأت في القرن 12م، ثمّ توسّعت وتدقّقت في القرنين 13 و14 ميلاديّين، لتمتدّ حتى القرن 18م (غورافسكي أليكسي، 1996: 92). وقد عبّر عن هذا التوجّه بكلّ وضوح النقيب “ش. ريشارد” العام 1848م حين كتب قائلا: “… حينما نريد غزو بلد بالمعنى الكامل للكلمة، فإنّ الأمر يتطلّب خطوتين يجب تنفيذهما: غزو الأرض وهو الجانب المادّي من العمليّة، ثمّ غزو أذهان الشّعب الذي يقطنها… وذلك عبر الأفكار، وقد تدوم قرونا إذا كان الغازي مسيحيّا والمغزوُّ مسلما”.(مذكور في (Xavier, Yacono: les bureaux arabes., 1953, pp. 143-144 ). وبالتالي، لا يمكن حصر دوافع المواجهة بين الشّـرق الإسلامي والغرب في أطماع اقتصادية، ونتيجة أوضاع اجتماعية داخل أوروبا.

وعليه، فإنّ الحروب الصليبيّة -وما قبلها- مثّلت صراعا بين ثقافتين/ حضارتين، ومن الخطأ الاعتكاف على دراسة التاريخ السياسي والعسكري لأحداث الصراع بين المسلمين والصليبيين في بلاد الشّام من دون إدراك الأساس الإيديولوجي لذلك الصراع الذي امتدّ على مدى قرنين من الزمان (1095–1291م). ولا شكّ، أنّ العقل الغربي، لم ينس المعارك الحاسمة في صدامه مع الإسلام والمسلمين، وهو ما تجلّى في ردوده خلال القرن 19م وما تلاه، ويستمرّ في عصرنا تحت مسمّى “الإسلاموفوبيا” وهو نتاج سوء الفهم المُتعمَّد تجاه الإسلام وأهله كما أقرّت بذلك المستشرقة الألمانية “آنا ماري شميل”.

يُتبع

مقالات ذات صلة