“بن هدوقة” ينبعث في ماراثون استثنائي
يَنتظم الملتقى الدولي الخامس عشر للرواية “عبد الحميد بن هدوقة”، اعتبارا من الثامن نوفمبر الداخل، في حلّة استثنائية، حيث ستستقطب مدينة “برج بوعريريج” (234 كلم شرقي العاصمة) ترسانة أدبية فنية نقدية شائقة في احتفالية تخليدية لروح الأديب الجزائري الكبير “عبد الحميد بن هدوقة” (9 جانفي 1925 – 21 أكتوبر 1996).
بالتزامن مع عشرينية رحيل مبدع “الجازية والدراويش”، سترتدي دار الثقافة “عائشة حدّاد” حلة نابضة تشتعل بحمى أسئلة متعددة أيام الثامن، التاسع والعاشر نوفمبر حول العنوان الكبير: “راهنية ومستقبليات الرواية والفنون بين الرواية والنقد”.
ويتضمّن برنامج التظاهرة الذي ضبطته مديرية الثقافة لعاصمة “البيبان” بقيادة الأستاذ “ميلود بلحنيش” وتنسيق الأكاديمي “محمد بوكراس”، أربعة محاور رئيسة هي: جماليات الرواية الجزائرية: دراسات في أعمال الرواد وتجارب جيل الشباب، الاغتراف من الأجناس الأخرى بين حرية الإبداع وخصوصية الرواية، أهم تجليات الانفتاح على الفنون الأخرى: الشعر، السينما، المسرح، الرسم… (دراسات في تجارب)، والحركة النقدية الأدبية: أي دور وأي أثر؟
وفي ومضة ستشهد تكريم عائلة الراحل الحي “عبد الحميد بن هدوقة”، فضلا عن الروائيتين “هاجر قويدري” و”آمال بوشارب”، سيتسنى لعشاق البحث الأدبي مواكبة استهلال أ. د. “أمينة بلعلى” حول “الكون الروائي الجزائري وصراع التمثيلات”، قبل التطرق إلى “جماليات الرواية الجزائرية – دراسات في أعمال الرواد وتجارب جيل الشباب” عبر مداخلة “عنف المتخيل في الرواية الجزائرية” لـ “د.منى بشلم”، ثمّ “الروائي الجزائري علي بومهدي والذاكرة الجماعية لسكان البرواقية” لـ “أ.الطيب ولد العروسي”، مرورا بـ “تجليات الشعري في السردي” رواية أحمد أبو سليم “الحاسة صفر” مثالاً لـ “د. بشرى حمدي البستاني” من الأردن” “السرد الذاتي وشعرية اللغة في رواية (تواشيح الورد)” لـ “د. سمير الخليل” من العراق، و”أسئلة المثقف ورهانات المواطنة في روايات مرزاق بقطاش – بحث في الثقافة والهوية والتاريخ” لـ “د.أحلام بن الشيخ” من جامعة ورقلة.
ويُحظى الملتقى برئاسة الأكاديمي الفذّ “أ.د. السعيد بوطاجين” من جامعة مستغانم، بينما ستضم اللجنة العلمية كل من: أ.د. قدور رحماني رئيسا، أ.د.عبد الناصر مباركية، د.محمد زهار، د. محمد الصديق بغورة، د. وحيد بوعزيز، ود. أمينة بلعلى كأعضاء.
تجريب، جماليات وتجليات
يمتد الحراك عبر “استراتيجيات التجريب في روايات عز الدين جلاوجي” لـ “د. طانية حطاب”، “فوضى الخطاب في رواية شموس الغجر لحيدر حيدر ــ المنطق والدلالة” لـ “بديعة الطاهري” من المغرب، و”د.عبد الحميد هيمة” الذي سيتناول “جمالية التفاصيل في رواية “حوبة ورحلة البحث عن المهدي المنتظر” لعز الدين جلاوجي، كما يشرّح “د. صادق خشاب” البنية الزمنية في رواية ” قبل البدء حتى ” لـ “محمد بورحلة”، مثلما تفتح “د. حكيمة بوقرومة” قوسا يسائل “البعد العجائبي” في رواية “الغيث” لـ “محمد ساري”.
وضمن محور “أهم تجليات الانفتاح على الفنون الأخرى: الشعر، السينما، المسرح، الرسم”، يتعاطى “د.فاضل عبود التميمي” مع رواية (أهداب الخشية) لمنى بشلم من المحاكاة الافتراضيّة إلى تداخل الأنواع.
ويحلّق “د.علاوة كوسة” مع “شعرية السرد في رواية – مملكة الزيوان – للصديق حاج أحمد، بينما تستحضر “د.إيمان هنشيري” تمثلات انفتاح الرواية على الفنون الأخرى عبر قراءة في روايات “واسيني الأعرج”.
وتتواصل الفعاليات بمقاربة الرواية الجزائرية في علاقتها مع الآخر في منعرج يشهد حضور “د.مراد قاسمي” من جامعة أليكانت – اسبانيا بمداخلة حول “واقع الرواية والروائيين الجزائريين في الكتابات الأجنبية” (اللغة الإسبانية نموذجا)، فضلا عن “د. مارتا استر ميادو بلمار” من الجامعة الكاثوليكية – الشيلي حول “الهجرة العثمانية وآثارها على الخصوصيات التشيلية”، تماما مثل تحليل “د. إسحاق دونوسو خيمينيز” من جامعة اليكانت- اسبانيا لـ “آداب الجزائر والفلبين في سياق الهندسة الثقافية الكولونيالية”.
أسئلة الأدوار والآثار
في محور “الحركة النقدية الأدبية أي دور وأي أثر”، يغوص “د.مصطفى إبراهيم الضبع” مع “نقد الرواية في الأكاديمية العربية”، فيما تستقرأ “د.فتيحة شفيري” ملامح “أزمة الهوية في الرواية الجزائرية وجماليتها الفنية”، وتستمر المساجلات بدخول “د.صالح هويدي” في خضم يسائل “حركة الخطاب النقدي ضمن اتجاهي الأهمية، والأثر”، بينما تنبري “أ. د.مها خير بك ناصر” لتشرّح “نقد الرواية العربيّة بين الامتهان والإبداع”، على أن يلتفت “د. براهيم عبد النور” إلى “الممارسة النقدية في الرواية الجزائرية بين الذاتية والموضوعية”.
حزمة ورش
ضمن أيقونة “الورشات”، سيكون الافتتاح بـ “جماليات الرواية الجزائرية: دراسات في أعمال الرواد وتجارب جيل الشباب”، وسيتسنى لـ “أ.سماح بن خروف” مدارسة “جماليات التداخل النصي في رواية غدا يوم جديد لبن هدوقة عبر آليات الاشتغال وفنيات الحضور”، في المقابل، سيتوقف “د.عبد الستار الجامعي” عند “صناعة الخطاب الروائي في الأدب الجزائري الحديث – وطن من زجاج لياسمينة صالح أنموذجا”، في وقت ستتكئ “أ.إيمان توهامي” على رواية ” أنثى السراب” لـ “واسيني الأعرج” في متابعة “المتغير اللوني وتجدّد روح الإبداع”، تماما مثل مداخلة “أ.فريدة بعيرة” التي تتعرض إلى “جماليات تماهي المرأة مع ثيمتي الأرض والحريّة في روايات الروّاد” عبر أنموذجي “بن هدوقة” و”كاتب ياسين”.
وعلى ريتم متواصل، تتناول “أ.نجلاء نجاحي” بلاغة التفاصيل في رواية “في الجبة لا أحد” لزهرة ديك، وتستحضر “أ.سعاد أرفيس” ملامح التّمرّد في الرّواية النّسائية الجزائرية عبر “الممنوعة” لـ “مليكة مقدم”، وينسج “أ.أحمد حفيدي” مع جماليات الزمن في رواية “فوضى الأشياء” للروائي “رشيد بوجدرة”.
تفاعلية على محور الشعر، السينما، المسرح والرسم
تبحث “أ.نسيمة كريبع” مسألة التفاعل الثقافي للفنون وتحاورها في رواية “بلقيس-بكائية آخر الليل-” لـ “علاوة كوسة”، كما تهتم “أ.زبيدة بوغواص” انفتاح النص المسرحي على السرد الروائي (مسرديات عز الدين جلاوجي نموذجا)، فيما سيرسم “أ.محمد بابا علي” تجليات حضور القارئ في رواية “سرادق الحلم والفجيعة” لـ “جلاوجي” أيضا.
وسيكون “النقد الروائي في الجزائر” تحت مجهر “أ.نجاة وسواس” التي ستركّز على القضية من زاوية “خصوصية النص وغرابة المنهج” عبر قراءة في ظل مقولة المطابقة والاختلاف، بينما يقترح “أ.محمد كديد” موضوعة موصولة بـ “مأزق الحركة النقدية العربية” بواسطة إشكالية التجريب الروائي أنموذجا، وتسترسل “أ.نورة تواتي” مع “الحركة النقدية من السياقية إلى النسقية”، على أن ينتهي حراك الورش بمداخلة “أ.أسامة عميرات” حول “التنظير النقدي للعمل الروائي عند عبد المالك مرتاض”.
على الهامش، سيتم عرض فيلم “ريح الجنوب”، وحصة تلفزيونية “فيلم من كتاب خاص”، ناهيك عن مسرحية “حنين” لتعاونية “كانفا”.
وجرى التنويه أنّ عودة الملتقى الدولي الذي يحمل اسم واحد من أهم الأقلام الروائية عربيا ودوليا وهو “عبد الحميد بن هدوقة” صاحب رائعة “ريح الجنوب”، أتت لتكون فضاءً للحوار والنقاش حول راهن الإبداع الروائي وآفاقه، وفرصة للقاء بين مختلف الأجيال/التجارب، لمناقشة ظاهرة التجدد الدائم والتطور المتنامي لهذا الجنس الكتابي، الذي انفتحت بنيته الحكائية على مختلف الفنون والأجناس الأدبية، موظفا جمالياتها وأدواتها الفنية في بلورة توليفة إبداعية جديدة يسميها أصحابها “رواية”، ولكنها في الوقت ذاته خلخلت الكثير من المفاهيم والتصورات النقدية المؤطرة للإبداع الروائي، الأمر الذي أحرج النقاد وزعزع ثقتهم بمقارباته لأوجه الإبداع، وصار لزاما عليهم أن يجددوا باستمرار أدواتهم النقدية، وإلا تجاوزتهم الأحداث.
تلاوين المواربة
في ضوء تجارب الانفتاح المتماهية مع مختلف أشكال الخطاب الأخرى، يسعى عرّابو الملتقى لحمل نقاد وأكاديميين للإجابة عن جملة من الأسئلة الإشكالية المشروعة، وهي تواليا: هل نحن أمام أجناس إبداعية جديدة؟ أم نحن أمام تنويعات وتلاوين روائية جديدة؟ وهل تسلم الرواية من الهجينية وهي تقحم عناصر أخرى في نسيجها النصي؟ وهل تداخل الأجناس الأدبية/الفنية الذي أضحى موضة العصر، يشكّل مبررا للانفلات من كل المعايير والضوابط الفنية، أم أنه ضرورة الالتزام بشروط وقوانين النوع الأدبي؟ ثمّ هل استنزفت الرواية كل مساحتها وآلياتها، حتى تتوجه إلى التخوم وتسطو على أملاك الغير؟
تمايز وفرادة
رغم حداثة التجربة الروائية الجزائرية مقارنة بغيرها، إلا أنها استطاعت أن تحقق تمايزها وفرادتها، وأن تكرس نفسها خطابا أدبيا وفنيا استوعب ألوانا متعددة من القضايا والأفكار والإشكاليات، وأن تنجب خلال مسيرتها القصيرة مجموعة من الأسماء التي أحدثت تحولات متميزة في الكتابة الروائية، طالت البنية اللغوية ومرتكزاتها الجمالية، والبنية التخييلية ضمن تجليات اجتماعية وسياسية وثقافية… مرتهنة في كل ذلك إلى التجريب الذي طال الموضوع والأسلوب والقوالب الفنية…لهذا حظيت باهتمام كبير من طرف الأكاديميين والإعلاميين وفي الشأن العام أيضا، فخصصت لها المسابقات والملتقيات، وصدر في نقدها عشرات المؤلفات، وكانت حاضرة في الرسائل الجامعية، وفي معارض الكتاب وفي الصحافة الورقية والالكترونية.
الجائزة والتطلعات
سيشكّل الملتقى مناسبة للإعلان عن الفائزين بمسابقة الجائزة الوطنية “عبد الحميد بن هدوقة للرواية”، في دورتها الأولى التي يرعاها “عبد السميع سعيدون” والي ولاية برج بوعريريج، وتتطلع مديرية الثقافة لمدينة “برج بوعريريج” لكي تسهم هذه الجائزة في دفع الحركة الثقافية الجزائرية والارتقاء بالشكل الروائي الفني الجزائري الحديث.
وفي وثيقة حصل عليها “الشروق أون لاين” حصريا، أفيد أنّ دواعي استحداث رواية “بن هدوقة” كمشروع ثقافي جديد، جاء ليكون بمثابة نافذة جديدة لتعزيز الحضور الأدبي للرواية لما لها من أهمية بالغة، وكذا لتدعيم الرواية من خلال تقدير وتدعيم الروائيين المبدعين الجزائريين، ولتحفيزهم للمضي قدما نحو آفاق أرحب للإبداع والتميّز، مما سيؤدي إلى رفع مستوى الاهتمام والإقبال لقراءة الرواية وزيادة الوعي الثقافي المعرفي.
ولاحظ عرّابو التوليفة أنّ الرواية استطاعت أن تظفر بقارئ أخذته إلى عوالمها، ونقلته من واقع يعيش فيه إلى واقع الفضاء الروائي الذي قوامه السحر والدهشة، المكان فيه أكثر اتساعا، والزمان متحرر من المكان، ورغم تضارب الآراء حول نشأة الرواية، استطاع هذا المتن إثبات شرعيته الفنية، عبر تفاعله مع المتغيرات الفنية وتدوينه لواعج ذلك الزمن بكل أحزانه وأفراحه، ما سمح للرواية بالاستئثار بالمكانة الأولى في أدبنا الحديث.
“ريح الجنوب”.. رمزية التجلي
حينما نقرأ رواية، فنحن نقرأ تجربة حياة من خلال عيني شخص آخر، وبذلك يتاح لنا معرفة وجه آخر لا نعرفه عن الحياة، تماما كما نشاهد فيلما عن ظروف مجتمع، فالأعمال الأدبية الروائية العظيمة التي كتبت بصورة جيدة تمنحنا الفرصة للسفر والشعور بمشاعر الشخصيات التي تصفها، وتتيح لنا اختبار الأفكار التي تطرح في الرواية، وريح الجنوب خير مثال على ذلك.
وتمّ التنويه أنّ رائعة الأدب الجزائري “ريح الجنوب” هي رمزية للتجلي القادم، وإنشاء جائزة باسم مبتكرها سيكون قوة دافعة للحركة الأدبية على أكثر من صعيد، مثلما يعين إنشاء الجائزة على التحفيز على الإبداع وتدعيم روح المنافسة بين الروائيين الجزائريين، الإسهام في تطوير الإنتاج الروائي في الجزائر، تشجيع وتقدير الموهوبين المتميزين في مجال الكتابة الروائية، واستثمار الطاقات الإبداعية وإغناء المكتبة الجزائرية بأعمال روائية جديدة.