الرأي

بهدوء…

محمد سليم قلالة
  • 3499
  • 20

هل يمكن أن نتحاور بهدوء؟ هل نتوقف عن اعتبار الأعلى صوتا والأقوى حنجرة هو المنتصر؟ متى نتوقف عن اعتبار “القبيح” أفضل من “المليح” في بلادنا؟ متى ننصت لصاحب الفكرة لا إلى صاحب الحنجرة؟ متى يُصبح نقاشنا بلا انفعال ولا ضجيج يصم الآذان؟

هل بالفعل قيم مجتمعنا مقلوبة؟

نعتبر التهوُّر أفضل من الحكمة، والتصريح أفضل من الإيحاء والتلميح؟ بل والقبيح أفضل من الجميل والسَّقيم أفضل من السّليم؟ لماذا  نخاف مِمَّن يُكثر الصياح والعويل ونخشى أصحاب الأصوات الصاخبة، والخرجات المدوية، والمواقف الحادة، والمزايدات التي لا حدود لها، ونعتبر ذلك شجاعة وقوة، في حين نعتبر الأدب والهدوء والرزانة والاعتدال خوفا وجبنا ولا نولي صاحبها أي اعتبار؟ 

لماذا نُكافئ “القبيح” الشرير في العمل ونخشاه ونُعطيه أكثر من حقوقه ونتغاضى على حماقاته، بل ونوصي خاصتنا وعامتنا بأن لا يقتربوا منه لأن شرَّه مستطيرا، في حين نحاسب “المليح” على كل هفوة ونَستقوي عليه في كل مناسبة ونُثقِل عليه بالمَهام، ونؤخر استفادته من حقوقه إلى أجل غير مسمى إن لم ننتزعها منه انتزاعا لصالح آخرين نخشى تهوُّرهم واندفاعهم وأحيانا فجورهم؟ أَليس في هذا قلبٌ آخر للقيم والمفاهيم؟ نُعلي من شأن الطالح ونحط من شأن الصالح؟

كم من “حوار” تلفزيوني شاهدناه ليس فيه من الحوار سوى الصخب، وكم من “نقاش” عُرِض علينا، ليس فيه من آداب الحديث سوى المزايدة بالصراخ إلى درجة النباح، لا نستطيع أن نستخلص منه سوى أن كل طرف إنما يريد إسكات الآخر لا سَماعه وإقناعه.

هل افتقدنا الرفق إلى هذه الدرجة ولم يعد تنفع معنا سوى الشدة والغلظة؟ أين مَكمن الخلل؟

يجادل البعض أننا وصلنا إلى مرحلة لم تعد تنفع معها سوى الوسائل “القبيحة” للعلاج، وأن هؤلاء الناس لا تنفع معهم سوى الشدة ولا مجال للحديث معهم بالحكمة… ولكنهم في غالب الأحيان لا يُحدّدون مع مَن تنفع الشدة؟ ألم نعد نرى جميع الأطراف حاكما ومحكوما، مسؤولا ومواطنا يلجأون إلى ذات الأساليب؟

إننا بحق في حاجة إلى طرح هذه الأسئلة المجتمعية على أنفسنا بهدوء، في أي مستوى كُنا، حتى نجد تفسيرا لِما وصلنا إليه، لعلنا ننتقل إلى مرحلة تصحيح هذه القيم المقلوبة ونعرف من أين نبدأ العلاج… ربما، هي السياسة، ربما هو التاريخ، ربما هو الجهل، ربما هو الابتعاد عن الدين… إننا بحق في حاجة إلى معرفة السبب الرئيس، ولكن بهدوء.

مقالات ذات صلة