اقتصاد
وزير التجارة السابق الهاشمي جعبوب لـ"الشروق" / الحلقة الثانية

بوتفليقة فشل في فرض انضمام الجزائر إلى المنطقة العربية للتبادل الحر

الشروق أونلاين
  • 9866
  • 25
الشروق
وزير التجارة السابق الهاشمي جعبوب

يواصل وزير التجارة السابق الهاشمي جعبوب في حواره لـ”الشروق”، الحديث عن التفاصيل الدقيقة لاتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وكيف أن الجزائر تنازلت عن ممارسة بعض سيادتها وخسرت ورقة من أهم أوراق الضغط في علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع بقية العالم، والأخطر أن الجزائر سلمت سوقها على طبق من ذهب للشركات الأوروبية بدون مقابل يذكر لا في مجال الاستثمارات الأجنبية المباشرة ولا في مجال نقل التكنولوجيا ولا حتى في مجال حرية تنقل الأشخاص ومكافحة الإرهاب.

ماذا استفادت الجزائر من إطالة عمر التفاوض منذ 17 عاما مع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية؟  

 الذي تحقق هو أن الجزائر هذبت قوانينها المتعلقة بالتجارة وبالخدمات وأضفت عليها الشفافية التامة. 

أولا، يجب التذكير أنه يخطئ من يعتقد أن منظمة التجارة العالمية هي منطقة للتبادل الحر، هذا لبس كبير في أذهان الناس، لأن الانضمام لا يعني إزالة جميع الحواجز الجمركية، كما أن إقامة مناطق التبادل الحر يحدث خارج منظمة التجارة، ويجب أن يعرف الناس أنه حتى داخل المنظمة هناك تعريفات جمركية تطبق بين الدول الأعضاء بحسب التفاوض بين تلك البلدان الأعضاء، ثم أن الأعضاء اليوم لهم الحق في الإبقاء على التعريفة الجمركية مرتفعة.

موضوع القيود لا يعني سوى الدول التي تبحث عن الانضمام مثل الجزائر، لأن الأعضاء في المنظمة يريدون تحقيق أقصى منفعة ممكنة مثل مطالبتهم بتخفيض الرسوم الجمركية خاصة إذا ما كانت هذه الدولة التي تريد الانضمام قد خفضت التعريفة الجمركية مع دول أخرى وهي حالة الجزائر مع الاتحاد الأوروبي للأسف الشديد.

يجب التوضيح للرأي العام أنه لما تنضم دولة جديدة إلى المنظمة يقوم كل الأعضاء بدراسة جميع الامتيازات الجمركية والجبائية التي منحت من الدولة الجديدة لدول أخرى قبل الانضمام ويقومون بمطالبة تعميم أحسن تلك الامتيازات على جميع الدول وفق المبدأ المعروف وهو “الدولة الأكثر امتيازا”، وبالتالي نحن الآن خارج المنظمة غير أن أكبر مستفيد من الامتيازات الجمركية مع الجزائر هو الاتحاد الأوروبي. وعليه فإن كل أعضاء منظمة التجارة يطالبون الجزائر بمنحها نفس امتيازات الاتحاد الأوروبي على الأقل.

إذن هل يمكن القول إن أكبر معرقل لانضمام الجزائر إلى منظمة التجارة هو الاتحاد الأوروبي؟

 الاتحاد الأوروبي يريد الاستمرار في الاستحواذ لنفسه على الامتيازات التي حصل عليها في إطار اتفاق الشراكة، وهو على علم أن دخول الجزائر إلى منظمة التجارة لا يخدمه لأن تلك الامتيازات ستستفيد منها جميع دول العالم الأعضاء في منظمة التجارة. وبالتالي أخطأنا كثيرا حينما أمضينا اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي قبل انضمامنا إلى منظمة التجارة العالمية.

 هل حصلت الجزائر على بعض الامتيازات في مقابل تنازلاتها الخطيرة لصالح الاتحاد الأوروبي؟ 

إن الجزائر التي وقعت سنة 1999 على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي (في إطار ما يسمى مسار برشلونة) ودخل الاتفاق حيز التنفيذ 1 سبتمبر 2005 بتفكيك جمركي تدريجي على السلع والخدمات المستوردة من الاتحاد الأوروبي، كانت تأمل في تنفيذ وعود بروكسل بمساعدة الجزائر في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة ونقل التكنولوجيا واستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة الأوروبية وتدريب وتكوين الموارد البشرية وإعادة تأهيل النسيج الصناعي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومساعدة ومرافقة الجزائر في مفاوضات الانضمام إلى منظمة التجارة، لكن الذي حصل هو العكس.

فمنذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ لم تستفد الجزائر لا من استثمارات أوروبية ولا من نقل تكنولوجيا ولا من مساعدات في محاربة الإرهاب ولا من مساعدات في الانضمام إلى منظمة التجارة ولا بأية مساعدة ذات أهمية، بل نستطيع القول إن أكبر المشاكل التي تواجهها الجزائر في مسار انضمامها إلى منظمة التجارة تأتي من الاتحاد الأوروبي باعتباره المستفيد الأول من بقاء الجزائر خارج المنظمة خشية تعميم تلك الامتيازات إلى بقية دول العالم الأعضاء في المنظمة العالمية للتجارة.

 إذا كان اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي شرّا كله، فلماذا التمسك بالاتفاق والتفاوض من أجل تمديده إلى 2020؟ 

التمديد بسنة أو بثلاثة أعوام، لا يقدم ولا يؤخر في الجوهر شيئا، بل بالعكس من الأحسن هو أن يعرف المواطن الجزائر أن استيراد جبن “بريزيدون” الفرنسي تطبق عليه رسم جمركي بـ5 بالمائة مقابل 30 بالمائة بالنسبة لجبن المراعي السعودي، بأي حق وبأي منطق تمنح الجزائر سوقها لدول على حساب دول أخرى.

الآن من مصلحة الجزائر تعميم هذه الامتيازات التي منحتها للاتحاد الأوروبي لجميع مورديها الأساسيين حتى تكون تنافسية بينهم من أجل تخفيض فاتورة الاستيراد السنوية. 

نحن اليوم لنا شكوك تكاد تكون أكيدة 100 بالمائة أن الكثير من البلدان الأوروبية تمارس مع الجزائر ما يسمى بالتجارة الثلاثية، أي أنها تشتري سلعا من خارج الاتحاد الأوروبي، وتقول إنها ذات منشأ أوروبي وتبيعها لنا، مثل حديد الخرسانة، نحن لا نملك القدرات الفنية والتقنية للمراقبة والتأكد من منشأ الحديد، خاصة وأننا نعلم علم اليقين أن الاتحاد الأوروبي يتعامل معنا بأسعار ومع غيرنا بأسعار ثانية عندما تكون أسواق تلك الدول مفتوحة على المنافسة العالمية، بالتالي الهيمنة والاحتكار يمكناه من رفع الأسعار كما يريد.

النقطة الثالثة تتعلق بتوقيع رئيس الجمهورية في قمة الدوحة سنة 2007 على وثيقة الانضمام إلى المنطقة العربية الكبرى للتبادل الحر، وكانت الجزائر آخر دولة رفقة جيبوتي تلتحق بهذا الفضاء التجاري العربي بعد أكثر من 20 سنة من التماطل والتسويف والتظاهر بالتفاوض تحت تأثيرات اللوبيات الرافضة لأي تقارب جزائري عربي، وهنا افتح قوسا للتنويه بدور سعادة سفير الجزائر السابق في القاهرة عبد القادر حجار الذي مارس ضغوطا تاريخية وألقى بكل ثقله مع رئيس الجمهورية من أجل التوقيع على اتفاق الانضمام إلى المنطقة العربية الكبرى للتبادل الحر.

 ولكن الذي حدث هو تجميد الاتفاق سنة واحدة من دخوله حيز التنفيذ؟

فعلا، دخل اتفاق الانضمام إلى المنطقة العربية الكبرى للتبادل الحر حيز التنفيذ في الفاتح جانفي 2008، ولكن للأسف الشديد نفس اللوبي الرافض لأي تقارب عربي جزائري، قام بالاعتراض على عمل رئيس الجمهورية شخصيا وقام باستصدار قائمة سلبية بـ1240 منتج عربي ممنوعة من الاستفادة من الإعفاء الجمركي وبالتالي ألغي باليسرى ما تم توقيعه باليد اليمنى للرئيس  عبد العزيز بوتفليقة.

واليوم وجب الإشارة إلى مضمون بيان القمة العربية، والذي ينص على أن كل الرؤساء العرب مصممون على إتمام كل متطلبات المنطقة العربية الكبرى للتبادل الحر قبل نهاية 2013، معنى هذا أن الجزائر ملزمة قبل نهاية العام الجاري بإلغاء القائمة السلبية المشار إليها.

الآن الجزائر وفق هذه الاتفاقية التي أمضاها الرئيس بوتفليقة، عليها مطابقة وضعها والعودة بشكل كامل إلى منطقة التبادل العربي التي نملك فيها حظوظا كبيرة لتصدير منتجاتنا لتغطية فشلنا في التصدير نحو أوروبا على عكس العالم العربي الذي يمكن أن نصدر نحوه بأريحية، وهنا يجب القول إن الحماية التي عاشها الاقتصاد الجزائري لم تكن أبدا حلا لأمراض الاقتصاد الوطني بل يجب أن نقول اليوم أن الآلة الإنتاجية والخدمية والصناعية والزراعية عاجزة عن إنتاج سلع وخدمات تنافسية قابلة للتصدير والعيب فينا وليس في غيرنا.

ولكن هناك الكثير من المختصين يقولون إنه لا توجد شفافية في المعاملات التجارية الخارجية للبلاد بعد حوالي ربع قرن من الانفتاح التجاري؟ 

شكرا على السؤال لأنه يسمح بتوضيح الأمور للرأي العام وخاصة أن الجزائر تتوفر على معهد وطني للقياسات القانونية التابع لوزارة الصناعة والذي مهمته الرئيسية هي وضع معايير جزائرية في المجالات الصناعية والتجارية المختلفة.

وهنا أسوق مثال حديد الخرسانة الذي كان يستورد في السابق أملس ولكن الآن أصبح يستورد “لولبيا” ويكون طوله 12 م، مثال آخر يمنع استيراد الحديد الذي يفوق قطره 8مم في باكورات، هناك دول أخرى تقبل ذلك وغيره من الأمثلة، الآن يبقى دور لجنة فنية مكلفة بتحديد نوعية الحديد ومكوناته الفنية وتركيبته من الحديد والكربون وغيره لما يكون موجها للبناء وغير ذلك حينها تتم مراقبة كل الحديد المستورد.

أما ما تعلق بالشفافية في المعاملات التجارية الخارجية، أهم شيء يجب أن تتباهى به الجزائر هو غياب تراخيص الاستيراد، في الجزائر فعل الاستيراد حر ومفتوح للجميع.  كثير من الدول تفرض قيودا على الاستيراد، في الجزائر أهم شيء هو غياب التراخيص، يعني لا يوجد إذن مسبق ولا بعدي. أنا كنت شخصيا في أريحية كبيرة لما أكون في مفاوضات مع منظمة التجارة لأننا لا نطبق قيودا على العمليات التجارية. فقط استيراد بعض السلع التي يخضع استيرادها لرأي خبراء مثل لعب الأطفال، أما غير ذلك فإن فعل الاستيراد هو فعل حر ومفتوح للجميع.

الآن نأتي إلى الأمر المتعلق بالمعطيات والشفافية، هنا يجب القول إنني كوزير للتجارة سعيت وعملت على استحداث ميكانيزم على مستوى الموانئ يسمح بمعرفة كمية كل سلعة مستوردة ومن قام باستيرادها، ولكن للأسف فشلت.

كنت أعمل على أن تكون الإحصاءات بحسب السلعة وبحسب كل شعبة من المنتجات وعلى رأسها المواد الإستراتيجية واسعة الاستهلاك حتى تكون الشفافية وتكون لصالح الجميع متعاملين اقتصاديين وصناعة وطنية وجامعات ومعاهد إحصاء وبحث، وبصراحة يجب أن يعرف الجميع أن معطيات التجارة الخارجية هي ملك للمجموعة الوطنية ولا يمكن إخفاؤها، وهنا يجب الإشارة إلى إنني كوزير عانيت الأمرين لما كان القانون يلزم الشركات إيداع حساباتها القانونية ولكنها كانت ترفض، وحاولنا، وكانت مقاومة وبدأنا بـ5 بالمائة ولما غادرت الوزارة وصلنا إلى 55 بالمائة معدل الشركات التي أصبحت تودع حساباتها لدى المصالح المعنية.

 لماذا في نظركم ترفض الشركات إيداع حساباتها؟

لما قمنا بإجراء تحقيق ميداني لمعرفة أسباب الرفض، وجدنا أن مسؤولي بعض الشركات يتحججون بجهل القانون، ومنهم من يقول إن المحاسب لم يبلغه ومنهم من يتحجج بالخوف من الضرائب وأخيرا هناك من يتحجج بالخوف من الحسد والعين، حيث هناك من يقول أنا أعمل في ستر الله لماذا أقوم بإيداع الحسابات السنوية ويعرف الناس أن رقم أعمالي بلغ كذا ألف مليار سنتيم.

صحيح أن فضاء الإعلام الاقتصادي ضعيف جدا في الجزائر، اليوم مثلا لا توجد جهة تسمح بمعرفة الأرقام الحقيقية عن التجارة الخارجية مما يصعب من عملية الحصول على المعطيات الضرورية ذات الصلة بالاستثمار حتى لا يصبح فعل الاستثمار في بعض الفروع الإنتاجية والصناعية مجرد مغامرة، هذا ما يتعلق بالشق التجاري.

ولكن هناك من يقول إن الحكومة هي التي كانت تمنع الشركات العمومية من الاستثمار؟ 

 الحكومة بالفعل مسؤولة عن حالة التآكل المتقدمة التي يعانيها النسيج الصناعي غير التنافسي والعاجز عن تلبية الطلب الوطني، حيث أن الجزائر تستورد مثلا الحديد والاسمنت في حين أن مصانع الاسمنت كان عندها فائض رهيب من السيولة النقدية.

هنا يجب الإشارة إلى وجود تعليمة رسمية تمنع الشركات العمومية من الاستثمار وكانت الخلفية أن الجزائر كانت تتجه نحو الخوصصة الكلية لهذه القطاعات، وبالتالي لا داعي للاستثمارات العمومية، حيث طلب من كل مسؤولي شركات تسيير مساهمات الدولة بوقف الاستثمار وتسريع الخوصصة وأكثر من ذلك تم إقرار منحة هامة جدا لكل مسؤول ينجح في خوصصة أكبر عدد ممكن من المؤسسات العمومية، حيث أصبحت الخوصصة ثم الخوصصة ثم الخوصصة دين جديد للقائمين على القطاع الصناعي.

هنا أفتح قوس هام جدا وهو أن الرئيس بوتفليقة لما وصل إلى الحكم وجد سياسة الخوصصة قد انطلقت وقطعت أشواطا، والناس الذين كانوا وقتها  ينظرون إلى عبد الحميد تمار انه ليبرالي معروف وأنه جاء لإتمام مسيرة الخوصصة لأنه أشرف على وزارة الخوصصة، وهنا يجب أن نشير إلى نقطة مهمة جدا وهي أنني شخصيا أشرفت على وزارة الصناعة خلفا لعبد المجيد مناصرة، ولكن في وقت مناصرة وجعبوب، كانت وزارة الصناعة هيكلا دون صلاحيات، في وقت جعبوب كان هناك وزير منتدب لدى رئيس الحكومة وكان هو الرئيس الفعلي لجميع شركات مساهمات الدولة، ولما ذهب جعبوب ومناصرة وخدري، من وزارة الصناعة عادت جميع الصلاحيات التي كانت بحوزة الوزير المنتدب الملحق برئيس الحكومة إلى وزير الصناعة الجديد، وهذا إسقاط واقعي لمقولة المرحوم الشيح نحناح أن الحركة في الحكومة وليس في الحكم، وهذا يذكر أيضا بالمعاملة مع أميار الفيس المحل، لما فازوا بالبلديات نزعوا لهم صلاحية التصرف في العقار وأنشؤوا لهم ما يعرف بالوكالات العقارية، ويذكرني بما حدث مع التجمع الوطني الديمقراطي لما فاز بالانتخابات البلدية سنة 1997 عادت صلاحية توزيع السكنات إلى رؤساء البلديات وبمجرد عودة جبهة التحرير الوطني سنة 2002 تم نزع تلك الصلاحية ومنحها لرؤساء الدوائر مرة أخرى، وهذا كان موضوع شجار بين مسؤولين كبار في جبهة التحرير والارندي في مواقع متقدمة من الدولة.

وبالعودة إلى سؤالكم، يجب القول إنه كان الأجدر بالحكومة أن تنأى بنفسها عن الصناعة والتجارة، لكن الذي حدث هو أن الأمر الذي منح لمسؤولي شركات تسيير المساهمات هو كلمة واحدة: الخوصصة، الخوصصة، الخوصصة، وقالوا لهم لا تخشوا على مناصب عملك لأننا سنجد لكم مناصب أهم وهذا خلال المرحلة 2002 إلى 2005 حتى أنه منح تشجيع مالي لمن يخوصص أكثر.

لكن تم توقف الأمر واللجوء إلى سياسة أكثر هدوءا بعدما تبين للجميع أن انسحاب الدولة الكلي يشكل خطرا على الأمن القومي، الآن يجب أن تتواجد الدولة في القطاعات الإستراتيجية.

يتبع

مقالات ذات صلة