بوعقبة يرثي زوجته من سركاجي قبل 30 سنة من وفاتها!
هكذا رثيت زوجتي، قبل أن تموت بـ30 سنة، وجدت هذه الوثيقة في أوراقها الخاصة مع حليها وعطورها.. وكتبت عليها “تنشر بعد وفاته”. وتشاء الأقدار أن أنشرها أنا بعد وفاتها هي كرثاء لها.
وأعترف بأنني بكيت عند قراءتها أكثر من بكائي يوم إلقاء حفنة التراب الأولى على جثمانها في القبر، وأدفن بها ذكريات رفقة 50 سنة كاملة.. لعل هذه الرسالة التي كتبتها إليها من السجن ليست سوى الجزء اليسير من المحنة.
“كتبت هذه الرسالة في لحظة تفوق فيها حب الوطن على حب الزوجة”
بسم الله الرحمن الرحيم
سركاجي في 6/7/1992
عزيزتي فاطمة..
أنا الآن أمر بمحنة وبلاء، بعضه يدخل في دائرة القضاء والقدر، والبعض الآخر أملاه علي واجبي الوطني في إطار عملي، وهو ضريبة مهنية لابد من أن أدفعها، عرفانا لهذا الوطن الذي وجدني جاهلا، فعلم، ووجدني عائلا، فأغنى.. وأنت تعرفين، يا عزيزتي، أنني لو قدر لي أن أكتب ثانية، لكتبت نفس هذا الموضوع الذي هو سبب سجني، لقناعتي بكل حرف جاء فيه.
أعرف، يا فاطمة، أن الأمر صعب عليك وعلى الأولاد، ولكن لابد من أن تعرفي أن هذا الذي حدث لي يدخل في إطار شرف، أرى نفسي غير جدير به. ولست هنا بصدد رفع معنوياتك، فأنا أعرف أنك- والحمد لله- تتمتعين بمعنويات تجعلني لا أخاف عليك ولا على الأولاد. وماذا تساوي محنتي أنا ومحنكم معي أنت والأولاد أمام محنة بلد بأكمله، غارق في دمه، حراس أمنه ومجده من جنود وشرطة تسفك دماؤهم هكذا من دون سبب ومن دون هدف، وسواعد شباب هذا الشعب بدلا من أن تتجه إلى البناء والتعمير تتجه إلى التخريب والقتل والتشويش.. كل هذا بفعل ساسة لم يفهموا من مسؤوليات السلطة غير الكرسي، وبفعل معارضة لم تفهم من أسباب الديمقراطية غير الدم والتحريض وتقسيم الشعب.
إنني أسمع همسك مع سامية وسمير الآن، وأنتم تتابعون خبر الحكم علي بأربعة أشهر سجنا نافذا، وتقولون لماذا لم يحفظ لسانه وقلمه صونا لنفسه وتجنيبا لنا من هذه المتاعب، ولكنك يا فاطمة تعرفين جيدا عزة نفسي وحبي لقول الحق متى رأيته كذلك، وتتذكرين الليالي التي تلت 5 أكتوبر، وكنت موقوفا فيها عن الكتابة في النصر بأمر من وزير الإعلام، أعطاه لمدير النصر بالهاتف في نفس اليوم الذي تسّلم لي فيه جائزة الدولة لأحسن عمل صحفي، وقلت لك وقتها: لو أخذوا جائزتهم وتركوني أكتب لكان أفضل لهم ولي. تتذكرين ليالي بعد أكتوبر عندما كان الرصاص يلعلع في “السقالة” وأول ماي وبن جراح، فلم يأخذني النوم ونهضت من جانبك واتجهت إلى النافذة في الثانية ليلا، وبدأت أبكي لأفرغ الشحنة بالدموع ما دمت لا أستطيع إفراغها بالحروف.. ولقد تعجبت وقتها مني كيف أبكي من شيء لا يخصني مباشرة؟ فقلت لك وقتها: خلافات السلطة قد نزلت إلى الشارع والجزائر ستلبنن، وإن غباء هذه السلطة أنها لم تحسم خلافاتها هناك في القمة، وتنزل إلى الشعب موحدة، مثلما كان الأمر في 62، و65، و79.
اليوم، أقحموا الشعب في خلافاتهم، ولابد من أن يمس الرضاض والرصاص كل بيت حتى ولو كان في الطابق العشرين مثل بيتنا، وهاهو الآن، يا عزيزتي، يمس بيتك الصغير وهذا ما بكيت من أجله قبل 5 سنوات.
أتذكرين، يا فاطمة، ذلك المساء الذي عدت فيه إلى البيت على غير العادة منذ أن استلمت إدارة جريدة المساء، وسألتني لم عدت هكذا على غير ما تعودت عليه طيلة 5 أشهر قضيتها على رأس المساء؟ فقلت لك لقد أعفيت من مهامي، لأنني اتخذت موقفا من الدماء الطاهرة التي يسيلها الصراع على السلطات هكذا مجانا.. لم أتحمل الأخبار الواردة من عاصمة الأوراس، فسجلت موقفا.. فأنا دائما مع الأوراس ظالما أو مظلوما! ولكن بعد 6 أشهر من سياسة التدمير الذاتي والدماء والدموع، تبين لي أنني كنت على حق، وليتني لم أكن كذلك وسلمت بلادي مما هي فيه.
أعرف، يا عزيزتي فاطمة، أن سامية التي لم تتحمل عزل والدها من المساء، لأنها ببراءة الأطفال تريد أن تقول لزميلاتها إنها بنت المدير، فكيف تكون حالها الآن وهي بنت السجين!
لا تظني أنني لا أحس بهذا كله.. لا أبدا.. فأنا أب مثل بقية الناس، ولكن، عندما تتعارض مصالح وطني مع مصلحة بيتي، فإنني أختار وطني من دون تردد، لأننا ببساطة، إذا كان لنا وطن يمكن أن نبني فيه بيتا أو كوخا، ولكن عندما يذهب الوطن، فلا وجود حتى للزنزانة.. وأمامك، يا فاطمة، محنة فلسطين ومحنة لبنان في أعوام سابقة، هل يملك فلسطيني واحد اليوم زنزانة في هذا الكوكب؟! قولي لسامية وسمير ونديم والدكم سجن من أجل أن تعيشوا أنتم في أمن وسعادة.. قولي لهم ضريبة والدكم تجاه وطنه كانت خفيفة، فهو لم يقتل مثلما يقتل يوميا أبرياء الشرطة والدرك والجيش وأبناء الشعب، وهو لم يسجن في الصحراء سواء كان سجينا أم سجانا، فالكل ضحايا لسياسة خاطئة.
أعرف أنكم صدمتم من هذا الحكم الجائر في حقي، ولكن هذا هو حكم قانون القوة، لا مجال فيه لسلطة الحجة، بل حجة السلطة هي الأساس، وقد كان والدي- رحمه الله- يقول لي عندما يكثر الظلم يقل الخير وفعل الخير وينقص التآخي والأخوة. وهذا هو وضع وطننا العزيز اليوم.
لقد وعدتكم بعطلة جيدة هذا العام، ولكن، لم أكن أعرف ما يخبئه لي ولكم الزمن، وشاءت الظروف أن أقضي لوحدي عطلة في مركب سركاجي، أنعم ببرودة الزنزانة.. فصبرا، هذا قدركم معي ومع من سجنوني.
عزيزتي فاطمة، أعرف أن الصدمة قوية عليك وعلى الأولاد، ولكن، أعرف أيضا أنك قوية الإرادة.. فكم من مرة ودعتِني بصبر وجلد، وأنا أتجه إلى مخاطر كبيرة في إطار أداء واجبي المهني.
أتذكرين عندما ودعتِني سنة 1973 لأتجه إلى أدغال إفريقيا في غينيا بيساو لأرافق الثوار، ونحن عرسان جدد، وكنت لا تعرفين هل أعود أم لا، وعندما انتقلت إلى لبنان مرتين وسط مخاطر لا يهون أمامها سوى حبي لمهنتي واعتزازي بها، وكل مرة أهم فيها بمخاطرة أقول لك إنني “عائش في الفائدة”، فقد قذفتني طائرة (ب 26) ولم أمت، إنني لا أعرف الخوف، لأنني خرجت من جمجمة شهيد، وتربيت بين الشظايا والجثث ولا يثنيني القهر على ما أراه الحق.. وأنا الآن في سركاجي لا ينقصني شيء، وقد أتفرغ إلى كتابة شيء ما قد يكون كتابا وقد يكون سلسلة مقالات.. لست أدري.. هكذا، إذا لم يرجع إلى هذه السلطة صوابها وتطلق سراحي.. وإنني لا ألومها على ما فعلته، فهي فاقدة للوعي، ولو كانت واعية بما تفعل، لما وصلت البلاد إلى هذه الوضعية.
قولي لسمير، والدك يقول لك كن رجلا، فأنت الآن رجل البيت، لا تتصرف تصرفات غير لائقة مع إخوتك وأمك، ثقتي فيك كبيرة، وأعرف أنك ذكي وتفهم كلامي هذا، فحافظ على البيت مع إخوتك وأمك.
توصيات..
أولا: الأولاد، لابد من أن يأكلوا جيدا وأفضل من السابق، وإذا احتجت الدراهم ابعثي لي الصكوك كي أوقعها لك، أو اسحبي من مدخرات “لاكناب” لا تقتري على الأولاد في غيابي.
ثانيا: السيارة، ليست بها عجلة التبديل فلا تستعمليها بدون عجلة تبديل تجنبا للمكروه، سلمي المفتاح والأوراق لسمير يأخذها إلى سلاوي صالح، وقولي له يشتري لها العجلة الجديدة، وسلمي له الدراهم بعد ذلك أو قبل ذلك.
ثالثا: خذي الأولاد إلى البحر، ولا تتركي سامية وسمير وحدهما أو بمفردهما أبدا في البيت.
رابعا: إذا أقلقك الهاتف، انزعي البكارة أو الكبس حتى لا يزعجوك.
خامسا: إذا شعرت بالقلق في هذا الصيف، من الأفضل إذا رأيت ذلك مناسبا، أن تشتري تذاكر الطائرة وتذهبي إلى سكيكدة بعض الوقت، بشرط أن يذهب الجميع.
سادسا: حرصكم على حراسة الدار الآن يصبح مسألة حيوية أكثر من أي وقت مضى، لأنهم قد يطمعون في سرقتها.
سابعا: مفتاح الدار موجود في الخزانة الحائطية، حيث أضع أنا أشيائي، وهو طويل، خذيه واذهبي إلى هناك لتفقدها من وقت إلى آخر.
سلاوي، مثل أخي، إذا احتجت شيئا، أرسلي إليه سمير أو نديم. وإذا أردت، أعطِيه الصكوك يرسلها إلي مع المحامي كي أوقعها لك، وعليك بالصبر، يا عزيزتي فاطمة، فهذه شدة وتزول.