الجزائر
"الشروق" ترافق محضرة قضائية وتقف على معاناة

“بيتبول” و”مولوتوف” لمواجهة تنفيذ أحكام القضاء !

الشروق أونلاين
  • 16920
  • 0
ح م

شعارهم “القانون فوق الجميع”، فعندما يتعلق الأمر بتنفيذ الحكم لا يهمهم من المنفذ عليه، حتى لو كان شخصية مرموقة في الدولة، يتعاملون مع أبسط مواطن إلى أعلى مسؤول في هرم السلطة، يتعرضون للسب والشتم والتهديد بالنفوذ، إلا أنهم لا يرضخون في سبيل تطبيق القانون مهما كانت الظروف التي تواجههم في الميدان، إنهم المحضرون القضائيون، الشروق رافقت أحدهم أثناء تنفيذ حكم غلق محل ووقفت على العراقيل التي تقف عائقا أمامهم خلال تأدية مهمتهم.

بمجرد أن تسمع كلمة “محضر قضائي” يخيل إليك أنه يقوم فقط بتبليغ الأحكام وتنفيذها في ظروف جد عادية مع تسهيلات المواطنين له، بما أنه يمثل القانون ويكون مصحوبا في أغلب المرات بالقوة العمومية، إلا أن الواقع يحكي أمرا مغايرا تماما للظروف التي يمارس فيها المحضر القضائي مهنته، بل يصطدم بحالات لا يخيل لعاقل أنها ستحدث في مسرح تنفيذ الأحكام.

قبل أن نرافق الأستاذة “فتيحة حيمر” محضرة قضائية لدى محكمة سيدي محمد ومجلس قضاء الجزائر مكلفة بالإعلام سابقا لدى الغرفة الوطنية للمحضرين القضائيين في خرجة تنفيذ حكم طرد من محل، تحدثنا معها عن هذه المهنة النبيلة والصعوبات التي تتلقاها أثناء عملها اليومي، فأجابت أن المحضرين القضائيين بصفة عامة يتعرضون لمجموعة من المشاكل باعتبار أنهم يتعاملون مع مختلف شرائح المجتمع، خاصة عندما تكون المحضر القضائي امرأة، فإن المنفذ عليه يحتقرها ويتعنت في تنفيذ الأحكام، بالرغم من وجود القوة العمومية، إلا أنها قالت إن الحماية غير متوفرة، لذا فإنهم يحاولون التنازل بعض الشيء وتلطيف الأجواء باستعمال الإقناع والأنسنة، حتى يتم السير الحسن لتنفيذ الأحكام.

حيل لا تخطر على بال لعرقلة التنفيذ

قالت الأستاذة حيمر إن المنفذ عليهم ينتهجون طرقا شيطانية في سبيل عرقلة التنفيذ، مشيرة إلى أنهم يتوقعون بعض الأمور التي قد تحدث في الميدان، إلا أنهم يصطدمون بحالات لا تخطر على بال، لأشخاص همهم الوحيد تأجيل التنفيذ أو وقفه، بالرغم من أن التنفيذ لا يوقف إلا بأمر من وكيل الجمهورية، فعلى المحضر القضائي تنفيذ الأحكام حتى لو استدعى الأمر أن يستغرق يوما كاملا.

من أكثر الحيل التي يلجأ إليها المنفذ عليهم هو التماطل في التنفيذ، خاصة فيما يتعلق بالطرد من السكنات أو المحلات، حيث يتحججون بتأخر الشاحنة أو عدم توفرها في الوقت الحالي لنقل حاجياتهم، كما يقوم آخرون بالتأخر أثناء إخراج أغراضهم، بحمل كل غرض على حدى، حتى لو تعلق الأمر بالملاعق والصحون، حيث يحملون كل ملعقة وحدها نكاية في المحضر القضائي وأعوان الشرطة.

منفذ عليهم يستعينون بكلاب بيت بول لتخويف المحضر القضائي

حالة غريبة قالت الأستاذة إنها لم تكن تتوقع أن تصادفها أثناء تنفيذ حكم طرد من قطعة أرض تابعة للولاية، حيث وجدت أربعة كلاب من نوع بيت بول مربوطة هنالك، مما جعلها تتراجع وتنتظر أصحابها لأخذها حتى تتمكن من الاقتراب وتنفيذ الحكم، وهي حيلة استعان بها المنفذ عليهم بغرض تعطيل أمر التنفيذ.

محاصرة حي كامل وحضور الشرطة العلمية لتنفيذ حكم هدم

تنفيذ الأحكام في الأحياء الشعبية يعتبر من أكثر الأمور صعوبة، حيث روت لنا الأستاذة فتيحة حادثة اضطرت رجال الأمن للاستنجاد بمجموعة كبيرة من رجال الشرطة وتدخل الشرطة العلمية، بعد أن هدد مجموعة من الشبان بأحد الأحياء في أعالي العاصمة بإضرام النار في قارورات الغاز التي كانوا يحملونها إذا تم هدم الجزء الذي بناه المنفذ عليه دون وجه حق، ولولا تدخل الأمن لما تمكنت من الهدم، هذا الأخير يتم بالوسائل التي يوفرها المنفذ وقد استغرق مدة شهر كامل بما أن البناء جديد.

محاولات انتحار والتظاهر بالإغماء لإثارة شفقة المحضر

“بعض الحيل اعتدنا عليها وأصبحنا نصادفها في كثير من الخرجات”، هكذا بدأت محدثتنا حكايات محاولات الانتحار والتظاهر بالإغماء، التي تعتبر من أكثر الحيل التي يلجأ إليها المنفذ عليهم، حيث روت حالة لأحد الأشخاص الذي هدد بالانتحار وبدأ يكسر الزجاج حتى لا يتم طرده من السكن الوظيفي، الذي كان يشغله، قائلة إنها في مثل هذه المواقف تحاول التعامل بإنسانية وتسعى لإقناع الشخص الذي نفذ الحكم ضده باستعمال الحجة المقنعة، موضحة أن بعض الحالات تأخذ معها يوما كاملا كإحدى الحالات التي استغرقت من الثامنة صباحا إلى العاشرة صباحا من اليوم الموالي، بسبب تأخر المنفذ عليه في إحضار الشاحنات، ناهيك عن عدم حضوره في الوقت المناسب، ما اضطرها إلى العودة إلى المحكمة لاستخراج أمر بكسر الباب، وهي أيضا من الصعوبات التي تواجه المحضر القضائي بصفة دائمة.

رئيسة حزب تستعين ببرلمانيين ورؤساء أحزاب لعرقلة التنفيذ

أكدت الأستاذة حيمر أن الأحكام تنفذ على كل الأشخاص بما فيهم الشخصيات التي تعمل في أعلى هرم السلطة، وذكرت حادثة تنفيذ حكم ضد رئيسة حزب بإخلاء فيلتين تابعتين لوزارة التضامن، قائلة إنها استعانت بعدد من البرلمانيين ورؤساء الأحزاب ليشهدوا على الأمر، كما قامت بتهديدها، وهي أمور تحدث معها في كثير من المرات حينما يكون المنفذ عليه صاحب نفوذ.

المحضر في مواجهة السب والشتم والتهديد بالنفوذ

تعد مهنة المحضر القضائي من أصعب المهن التي يكون فيها ممارسها في مواجهة مختلف شرائح المجتمع، فهو يتعامل مع المنحرف، المسبوق قضائيا ومتعاطي المخدرات، وغيرها من الفئات التي تشكل خطرا على حياتهم بالرغم من تواجد رجال الأمن، هؤلاء يتعرضون أيضا لمحاولات اعتداءات على غرار المرة التي حاول فيها أحد أبناء المنفذ عليه الاعتداء بأداة صلبة على الشرطي، وتم اعتقاله لفترة حتى يتم تنفيذ الحكم، وهي أيضا تضاف إلى سلسلة العراقيل التي تواجه المحضر القضائي، إضافة إلى السب والشتم والتهديد بالنفوذ، حيث قالت إنها تتلقى في عدة مرات مكالمات هاتفية قبل التنفيذ وبعده بعبارات”رايحة تديري غلطة حياتك”، “والله نفسدلك حياتك”، كما يقوم آخرون بتصويرها والحصول على معلوماتها والتعرض لها في الطريق لثنيها عن التنفيذ، كما أن بعض الأشخاص يدعون عليها بقولهم “نوكلو عليك ربي”.

“الشروق” تقف على حقيقة هذه الصعوبات في الميدان

قبل أن نتوجه رفقة المحضرة القضائية إلى مكان تنفيذ الحكم وهو محل تجاري بالجزائر الوسطى، تنقلنا معها إلى مقر الأمن الحضري حتى يرافقها رجال الأمن في أمر التنفيذ، وهو ما يعرف بـ”التسخيرة”، ومن هنا بدأت العراقيل حيث ظلت المحضرة القضائية تنتظر مدة لابأس بها في قاعة الاستقبال، بعد أن أخبرها رجل الأمن أنهم لا يعلمون بأن التنفيذ اليوم، وبالرغم من أنها أطلعته على “التسخيرة” الموقعة من قبل المحافظ، ومن المفروض أن يكونوا على علم، اضطرت أيضا لانتظار عون الأمن الذي كان خارجا حتى يكتمل العدد، الذي ضم عونين من جنس ذكر وعون أنثى.

انطلقنا إلى المكان وفي طريقها اتصلت المحضرة بصاحبة الشكوى، لتجلب معها قفلا جديدا بغرض غلق المحل بمفاتيح جديدة بعد تنفيذ الحكم.

وصلنا المكان وكانت في انتظارنا العجوز صاحبة المحل، ومن حسن حظنا وجدنا المحل مفتوحا وإلا كنا سندخل في متاهة، من خلال العودة إلى المحكمة والحصول على أمر بكسر الباب، وغيرها من الإجراءات حسب ما صرحت به المحضر.

وجدنا أحد الأشخاص داخل المحل ونادت المحضرة على اسم المنفذ عليه، فقال إنه غير موجود فطالبته بهويته فرفض الإفصاح عنها، وطلبت منه أن يأخذ أغراضه من هنا إن كان يملك غرضا، اتضح أن شخصين يضعان بعض الأغراض هنالك، إلا أنها تلقت صعوبات في معرفة هوية الشخصين، بعد أن رفضا منحها بطاقة التعريف، إلا بعد أخذ ورد وتدخل رجال الأمن، وبدأت المحضرة في جرد جميع الأغراض الموجودة هنالك، حيث تحول المحل وهو محل إسكافي إلى مستودع يحتوي على “الخردة” وكل ما يصلح هو دراجة نارية لا تشتغل، وآلة خياطة وكذا جهاز استقبال، إلا أنها أوصت الشخصين بتبليغ المعني بإخراج أغراضه في ظرف ثمانية أيام، وإلا سيتم بيعها في المزاد العلني، وأمرت العجوز بإقفال المحل بالقفل الجديد والاحتفاظ به.

مقالات ذات صلة