بيع “أرائك” بالمزاد العلني
الدولة تعلم الآن قبل الشعب أن كراسي المسؤوليات صارت تُباع وتشترى تماما كما تباع السيارات القديمة والجديدة في الأسواق الأسبوعية، وإذا كانت الدولة قد أعلنت باحتشام حربا على التجارة الفوضوية التي أساءت للجزائر بتحوّلها إلى اقتصاد قائم بذاته، فإننا لا نعرف لماذا لا تحارب هذه التجارة القذرة التي جعلت بعض من يسمّون أنفسهم بالسياسيين يتباهون ببيع أصواتهم وكراسيهم لمن يدفع أكثر، وجعلت بعض أصحاب المال لا يجدون حرجا في ضرب موعد أواخر شهر نوفمبر ليتواجدوا في مجلس الأمة، مراهنين على ما يملكون من أموال وأيضا على استعداد غالبية المنتخبين -إن لم نقل جميعهم- لبيع أصواتهم مقابل دراهم معدودات، وليس على أصوات المنتخبين الذين يزعمون أن الناس انتخبتهم.
وعندما يصبح الترشح بالمال والفوز بأصوات المواطنين بالمال واقتطاع كرسي المجلس البلدي أو المجلس الولائي أو مقعد في مجلس الأمة بالمال، فإن البلد الذي يعيش مواطنوه وساسته بمال النفط الزائل سيكون مهددا بالزوال، خاصة عندما بلغنا مرحلة الجهر بالسوء، والأخطر من ذلك مرحلة الصمت عن هذا السوء الذي سيجعل البلد مسيّرا من طرف أصحاب المال المنهوب، الذين حوّلوا مقرات الأحزاب ومجالس الدولة إلى شبه سوق تباع فيها المبادئ وحتى الكرامة في المزاد العلني، وإذا كان وزير الداخلية، قد اعترف بأن 28 بالمئة من الذين خاضوا المحليات من دون مستوى جامعي، في بلد تزدحم جامعاته الستين حاليا بقرابة المليون ونصف مليون طالب والملايين من خريجي الجامعات، فإن أحزابا أخرى اعترفت بأن الكثير من الذين قدّموا أنفسهم على أساس أنهم أساتذة ومختصون وخبراء جامعيون، اتضح أنهم يملكون شهادات بالمراسلة وغالبيتها تم شراؤها لإثراء سيرتهم الذاتية القاتمة، والطامة الكبرى أن هذه النماذج هي التي فازت بالمقاعد وبدأت عمليه شراء الذمم لأجل بلوغ مجلس الأمة، الذي يُشرّع في كل دول العالم ويعاقب السلطة إن أخطأت ويبقى عندنا جوازا لبلوغ المآرب المادية بطرق غير قانونية، وحصانة للإفلات من العقاب عند ارتكاب الموبقات التي أغلبها أخلاقية.
الانفلات السياسي الذي عرفته الجزائر في الآونة الأخيرة، في كل أحزابها التي تسمّي نفسها بالمعارضة من دون استثناء، والصمت السلطوي الذي يخيّم على المشهد العام بالرغم من أن مقاطعة المواطنين للانتخابات كانت جوابا لا يوجد أوضح منه، قد يتحوّلان إلى ورم مزمن يصعب اجتثاثه، لأن الذين رفضوا الوضع الحالي سيصطدمون ببديل أكثر تعفنا، وعندها سيجد المواطن نفسه بين قبول الموت على صدر السلطة، أو فوق دفاتر الوجوه الجديدة المليئة بالأصفار.
والذين تمكنوا من بلوغ رأس القائمة بالمال، والفوز في الانتخابات بالمال، وبلوغ البرلمان ومجلس الأمة بالمال، لن يكون صعبا عليهم بلوغ إدارة المستشفيات والمصانع والمزارع ورئاسة الجامعات وحمل الحقائب الوزارية بالمال، وإذا كان لمليارديرات العالم تاريخ للثروة وجغرافيا للممتلكات فإنهم عندنا بلا جغرافيا ولا تاريخ فقط “مال سايب”.
قديما قيل إذا لم تستح فاصنع ما شئت، وحالنا الآن يقول أن الذين لا يستحون صاروا شعبا وأقاموا دولتهم وهم يصنعون ما شاؤوا؟