بيننا والغرب حضارة وحرب.. ومصير مجهول
جمعتني به جلسة حوار سياسي وثقافي في أعقاب عنف ضرب في أكثر من مكان فسألني أحد المعنيين بالأمر: ترى متى ننتهي من الصراع مع الغرب ؟ فأجبته: أن الفرصة التاريخية قد واتتهم واحتلوا كل وطننا العربي وعالمنا الإسلامي ولم يتمكنوا من إحداث الانقلاب الثقافي والديني في مجتمعاتنا التي استطاعت في نهاية المطاف أن تلفظهم بعنف.. وهذا يبقي الأمر أمام احتمال واحد فقط، أنه انتصار أمتنا على الغرب ليس على طريقة نبوءة العرافة البلغارية مؤخرا، والتي أشارت إلى عام 2043 لهذا الحدث، إنما بما يمكن أن ننجزه من تفوق نوعي في مجالات نوعية تحقق لنا الانتصار الكبير على مناهج الاستحواذ والأنانية والتسلط في الغرب ومجال معركتنا هو الإنسان بقيمه وثقافته وإنسانيته..
إنهم لم يحققوا السلام عندما اجتاحوا بلداننا وانتهى استعمارهم إلى جرائم بحق الإنسانية ولازالت أوجه الصراع ناشبة بيننا ولا يمكن أن يتصور أحد أن سياقات الصراع الحالية بيننا تنتهي إلى سلام، فهي تولد الحرب من الحرب ولم يبق في عالم الاحتمالات إلا أن ننتصر نحن بعد أن نغير أدوات الصراع ونلزمه على دخول معارك أخرى يخسر فيها منهجه الشرير، وتتكسر أدواته الشريرة وينتصر منهجنا الإنساني، فلقد سبق لتجاربنا أن انتصرت في هذا الميدان زمنا طويلا وكانت مثار إعجاب المؤرخين والمفكرين الغربيين الوازنين.
صحيح إن العلاقة بيننا والغرب لا تقف على وجه واحد من الارتباطات أو الاشتباكات، كما أنها ذات عمر طويل مليء بالدماء والدموع والأخذ المتبادل الثقافي والمادي في جدلية التقارب والتباعد.. ويمكن التأريخ لهذه العلاقة المتنوعة مع بداية احتكاك المسلمين بالغرب؛ أي في المرة الأولى التي يجتاز العرب فيها المتوسط نحو معاقل الأوربيين على تنوع أعراقهم وثقافاتهم حاملين معهم التنوير.. كانت خطوة العرب تلك بداية للاشتباك المتواصل منذ قرون عدة وليس من المنتظر توقفه في أمد منظور.. ولكن يمكن القول أن تأثير العرب والمسلمين انحسر في مجال الثقافة والمدنية على الغرب منذ سقوط الأندلس، وبدأت مرحلة عكسية مترافقة مع هجوم عسكري غربي واسع على بلاد العرب والمسلمين مشرقا ومغربا.
والملاحظ على جبهتي الصراع اليوم يرصد صعوبة فائقة أمام الغربيين لإنهاء الصراع لصالحهم رغم تفوقهم النوعي المذهل، ورغم أن خصمهم ” العرب والمسلمين” في أردأ حالاتهم مشتتون ممزقون متنافرون لا يحسنون الاستفادة من أي شيء.. ويقاومون بالحد الأدنى من قدراتهم.. ويلاحظ المراقب أن الغرب يكاد يكون قد استنفد كل طاقته ووسائله في تكريس واقع التخلف والتبعية والتجزئة في حياة العرب والمسلمين فيما يطور أساليبه وأدواته ويجدد صنائعه لكي يتسنى له تواصل نهبه وسطوه..
من المعارك التي لا يثير الغرب فيها غبارا ويمرر أهدافه منها بهدوء وبقفازات من حرير معركة الثقافة والقيم والمناهج.. اعتقادا من الغرب أن انجازه للهدف في هذه المعركة يحقق ضمانة العملية الاستعمارية كاملة.. ولكن هذه المعركة أيضا لم تتيبّس على أساليب معينة، بل هي تخضع للتطوير المستمر.. ففي القرن العشرين تمثلت أدوات هذه المعركة في التغريب والاختراق بالمضامين الفكرية ومناهج التحليل والمرجعيات الفكرية، فتشكلت نخب ثقافية في بلاد العرب والمسلمين تجرّ الشعوب جرا نحو التعبد في محراب الغرب الذي رسمته الدعاية والاستلاب تقلده كالببغاء وتحاول أن تسير على هدي من توجهاته التي وصلتها مشوهة ومنمطة.. كما أنها استسلمت للصورة التي شكلتها الثقافة الغربية عن الاسلام والتاريخ الاسلامي، كما رسم ذلك ووضحه المفكر الفلسطيني الكبير ادوراد سعيد في كتابه المهم “الاستشراق”.. وتمكنت الاختراقات الأمنية والسياسية أن تدفع بنخب سياسية وأمنية إلى سدة الحكم في كثير من بلداننا العربية والإسلامية، فكان الانفصام بين الحاكمين والمحكومين في القناعات والاهتمامات والتوجهات بابا للتصادم، فكان الهدر الرهيب للطاقات والامكانيات، الأمر الذي حقق استمرار استسلام مجتمعاتنا أمام الجزار الغربي.
من هنا بدأ نوع جديد من المعارك، إنه صناعة قوى حول “ديانات” جديدة خليط من العنف وشعارات دينية وسلاح ومال وثقافة لم نسمع بها من قبل.. والقصد هنا أن تقوم هذه القوى بالتخريب الذاتي وإشعال فتائل القنابل الموقوتة الطائفية والقومية والاجتهادية.. إنه الشكل الأخير من أشكال المعركة.
إلا أن هذه المعركة أخذت في الأفول، وظهرت عدم جديتها بمجرد انبعاث الصحوة والعودة إلى الذات التي انطلقت في أكثر من بلد عربي وإسلامي؛ فرغم كل ما يمكن أن يوجه لمرحلة الصحوة الثقافية والعودة إلى الذات من انتقاد وتصويب، إلا أنه لابد من الاسراع بالتأكيد على أنها كشفت ضحالة الفكر التغريبي وثقافة التبعية، وأظهرت أن الأمة بخير وذاكرتها الجمعية قوية، وهي فقط تحتاج لمن يبعثها إلى الوجود بخطاب ومفردات وسلوك…
لم تكن المؤسسات الغربية بعيدة عن المشهد وهي تتابع مذهولة سرعة تحرك ثقافة النهضة الثقافية في أوساط شباب الأمة ومفكريها في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث انطلقت حركات التحرر والأصالة في معظم البلدان العربية والاسلامية.. فانكبت المختبرات في مراكز صنع القرار في الغرب لتقديم الحلول، وبدأت المكيدة ومصطلحات المؤامرة: “الارهاب والأصولية والرجعية” فكانت كلمة السر تلاحق كل النشاط الثقافي الحضاري ووضعته في زاوية الاتهام لتحقق عدة أهداف، إما أن يتراجع خوفا من التهم التي تلاحقه، وهذا حصل بالفعل مع كثير من دعاة الصحوة، حيث أسرعوا إلى الانسلاخ من جلدهم والتدثر بلغة الغربيين وثقافتهم لعلهم ينجون من التهم.. أو أن تدفع أخرين إلى التصلب أكثر والاندفاع فعلا نحو التيبّس والتمركز في الأنا والسلف، فيتحقق فيها ما أرادته الدعاية الغربية.. وبالفعل حصل هذا النوع من التعامل مع التحدي فتجمد فكر النهضة عند روح العداء والعنف الفكري واللفظي والتعميم برفض الانجازات الغربية المادية والثقافية جملة ودونما تدقيق وتمييز بين النافع والضار.. وأصيب أصحاب هذا الخيار بالعمى الحضاري.
على ضفتي المواجهة بيننا والغرب، طرأت صياغة جديدة للاستراتجية الغربية ضدنا.. الآن لا يكتفي الغرب بشن حرب مصطلحات علينا، فلقد أدت تلك المعركة مفعولها، وأيضا انتهى الغرب من حشدنا في معركة ضد الشرق بعد أن تمكنوا من إسقاط الكتلة الاشتراكية وتفكيك دولها، حيث تم استغلالنا بأبشع صورة لنكون الوقود في تدمير الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا.. ولم يعودوا يحتاجوننا في معارك خارجية.. من هنا بدأ نوع جديد من المعارك، إنه صناعة قوى حول “ديانات” جديدة خليط من العنف وشعارات دينية وسلاح ومال وثقافة لم نسمع بها من قبل.. والقصد هنا أن تقوم هذه القوى بالتخريب الذاتي وإشعال فتائل القنابل الموقوتة الطائفية والقومية والاجتهادية.. إنه الشكل الأخير من أشكال المعركة، فهل يكون نهاية ما في جعبة الغرب؟
نحن والغرب أمام مصير مجهول.. فهل آن الأوان لكي نمتلك المبادرة ونتقدم للانتصار؟ تولانا الله برحمته.