الرأي

بين إسلامنا وإسلامهم!

سلطان بركاني
  • 477
  • 0

دمعات المسلمين الجدد الذين وجدوا حلاوة الإيمان بعد مرارة الحرمان، وبرد اليقين بعد ضنك الحيرة والشكّ، من أغلى وأصدق الدّمعات؛ يتحدّث الواحد منهم ودموعه تسبق كلماته، ليصف فرحته وسعادته بهذا الدّين العظيم، بعبارات تحسّ أنّه يغرفها من روحه وقلبه، وتنظر إلى حاله فترى أمارات الصّدق والإخلاص وعلامات الخشوع والخضوع، وتسأل عن اجتهاده في طاعة الله، فتسمع عن محافظته على الفرائض وحرصه على السّنن والمستحبّات وفضائل الأعمال، ما لا تكاد تسمع عنه إلا في سير الأوّلين. إذا قام في الصّلاة أحسّ بهيبة المقام، واستحضر أنّه بين يدي العليم العلاّم، وإذا دعا الله أحسّ بأنّه يخاطب من بيده خزائن السّماوات والأرض، وإذا تلا القرآن وقرأ ترجمة معانيه بكى وأجهش بالبكاء وأحسّ أنّ تلك الكلمات هي رسائل من خالق الكون موجّهة إليه.

خشوع وخضوع واجتهاد ودموع

شابّ أمريكيّ، منّ الله عليه باعتناق الإسلام، يتحدّث عن حاله مع القرآن، فيقول: “الشّيخ سعد الغامدي كان أوّل من بدأت بسماع تلاوته، وكنت أقول وأنا أسمع قراءته المؤثّرة: سبحان الله هذا رائع جدا! وهكذا كنت أستمع إلى تسجيل الجزء الثلاثين باستمرار، وكنت أجد تلاوة سورة الفجر جميلة جدا. في البداية كانت آياتها مفضّلة لديّ بمجرّد وقعها على أذني، وخاصّة الجزء في السّورة الذي يقول فيه الله سبحانه: ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي)). طريقة تلاوة الشيخ الغامدي لها رائعة جدا، لم أكن أعرف المعنى حينها، لكنّ طريقة الترتيل أسرَتني، وعندما قرأت ترجمة معانيها هزّت روحي وجوانحي، وجعلتني أفكّر في شيء واحد فقط: ماذا لو سمعنا هذا النّداء من الله؟” وهنا انخرط المسلم الأمريكيّ في البكاء وأخذ يمسح دموعه ويقول: “الله –سبحانه- سيُسمع هذا النّداء لبعضنا فقط، نحن سنسمعها منه، لذلك أجد هذه الآيات عزيزة على قلبي، لأنّ طموحي وأملي أن أسمع تلك الكلمات من الله، وأبنائي ووالداي يسمعونها أيضا إن شاء الله”.

هذا الشابّ، لم تمرّ على إسلامه سوى بضعة أشهر، يجد من الخشوع في قراءة القرآن، ما لا نجده نحن الذين ولدنا مسلمين، وعشنا عشرات السنين وقرأنا وسمعنا القرآن مئات المرّات! سمعناه وقرأناه، لكنّنا قرأناه كمن يقرأ مقالا أو كتابا من الكتب التي ألّفها البشر! ((أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد)) (الزمر).

عرفوا قدر النّعمة التي غفلنا عنها

شابّ آخر، أسلم حديثا، يذرف الدّموع في محاضرة له لأنّ والديه يرفضان اعتناق الإسلام، يبكي بكلّ حرقة ويقول مخاطبا المسلمين: “لا تستخفّوا بما لديكم من النّعم، وأهمّها الإسلام، والِدَاي ليسا مسلمين. زوجتي موجودة بين الحضور، وهي تعلم كم أحبّ والديّ، ووالداي يحبّانني، يخبرني أبي كلّ يوم أنّه يحبّني، وهذا لا تجده عند كثير من أسر المسلمين، لكنْ إذا توفّي أبي على هذه الحال، ماذا سيكون مصيره؟ تستطيعون الدّعاء لوالديكم، وأنا لا أستطيع الدّعاء لأبي عندما يموت، هذا هو الواقع أيها الإخوة والأخوات، هذا هو الواقع فلا تستخفّوا بنعم الله سبحانه وتعالى عليكم”.

هذا الشابّ، يوصي المسلمين ألا يستخفّوا بنعمة الإسلام، وأن يقدروها حقّ قدرها، لأنّها أعظم نعمة يتفضّل بها الخالق –سبحانه- على عبد من عباده، فبها صلاح الحال والمآل، وبها سعادة الأولى والآخرة… نعمة طالما غفلنا عنها ولم نستشعر عظمتها، بل ربّما لم نشكر الله عليها. ولو تدبّر الواحد منّا مصير أولئك الذين حرموا هذه النّعمة وماتوا على غير ملّة الإسلام ليكون مصيرهم الخلود في النّار، لأدرك قدر نعمة الله عليه يوم جعله يولد مسلما من والدين مسلمين، وسط مجتمع مسلم، ولا يعرف غير الإسلام دينا.

وماذا بعدُ؟

إنّ المفترض في حقّنا أن نشعر بالخجل من أنفسنا ونحن الذين أمضينا عشرات السّنوات مسلمين، ولم تكد قلوبنا تخشع لله، ولم تكد أعيننا تدمع من خشية الله، وفوق هذا وذاك لم نحمل شيئا من همّ هذا الدّين ولم نقدّم له قليلا ولا كثيرا، لا همّ لنا إلا دنيانا وأموالنا ومطاعمنا ومشاربنا… يفترض في حقّنا أن نشعر بالحياء والخجل ونحن نرى مسلمِين جددًا في أوروبا وأمريكا لا يمضي على إسلام أحدهم سوى أشهر قليلة حتى يجد لذّة الطّاعة وحلاوة الإيمان، ويصبح دينه أغلى ما يملك في هذه الحياة، يدعو إليه وينصره ويغار لأجله. لا تمرّ على إسلامه سوى سنوات معدودات حتى يُدخل إلى دين الله العشرات بل ربّما المئات والآلاف.

إنّ الله -تبارك وتعالى- غنيّ عنّا، وربّما يستبدلنا بغيرنا إن نحن أصررنا على أن يكون ديننا في آخر اهتماماتنا، وأرخص شيء نملكه في هذه الحياة، يقول -سبحانه وتعالى-: ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)) (محمّد).

مقالات ذات صلة