بين الثقافة والإدارة
الثقافة بكل ما تشمله من معارف ومراتب من حب القراءة وإبداع الكتابة شعرا وفكرا وعلما وفقها والإدارة بكل أنواعها من أبسطها إلى أكثرها دقة وتعقيدا وبكل مسمياتها وعلى رأسها السياسة وهي نوع من أنواع الإدارة.. هذان توأمان للنهضة ومتى حصل الانفصال بينهما سقط الكيان المعنوي واضمحلت الحياة.
من الحواجز التي تقف مانعا أمام تقدمنا نحو النهضة وجود الانفصام بين الإدارة والثقافة وكأن كل منهما أصبح على نقيض الآخر.. لقد تنبه مالك بن نبي لتلك المشكلة مبكرا وهو يعالج العقل المسلم الذري ألتجزيئي فكانت إشارته الى ضرورة ترتيب أفكارنا وأشخاصنا وأشيائنا.. بمعنى آخر أنه لابد من أن يصبح المثقف المفكر إداريا يحسن فن إدارة أوضاعه وإدارة مواجهته للتحديات.
لقد تعرفنا على كثير من المفكرين والمثقفين والعلماء المبدعين والذين كانوا إعلاما في ميادينهم لكننا اكتشفنا خللا كبيرا في جانب الإدارة لديهم في أبسط الأشياء فتحوّلت أفكارهم وثقافتهم إلى حبر على ورق أو أملوحات الأحاديث في مجالس الشطحات الفكرية والاستعراضات الثقافية.. وهؤلاء هم الكثرة الواسعة في شريحة المثقفين في الأمة والذين يصيب بعضهم أحيانا هوس نفسي بضرورة التطهر والابتعاد عن تطاحنات السياسة والإدارة.
وعلى جهة مقابلة كم عرفنا من إداريين جادين منضبطين في شتى المجالات المدنية لكننا اكتشفنا كم هو الخواء الفكري والثقافي داخلهم فعادت الإدارة معهم كأنما هي سلوك تلقائي فاقد الهدف وفاقد الروح ويمكن أن نرى ذلك بكثرة في المجتمعات الغربية ومن تشبه بها.
إلى هنا نكون بنصف المشكلة.. وتتعقد المعضلة عندما يصبح الإداري بروح أخرى غير روح المجتمع ويصبح المثقف خارج دائرة هم شعبه ووطنه عندها نتكلم بغلتين متناقضتين وبرموز غير مفهومة فيكثر سوء الظن ويزداد التنافر وتتعمق الهوة ونصبح جميعا صناع الفشل المتلاحق.
فكيف تشكلت لدينا الأزمة وما هي شروطها؟ وكيف يمكننا الخروج من الدوامة؟ إننا بحاجة حقيقية للإداري المثقف المفكر المبدع وبحاجة بالدرجة نفسها للمفكر المثقف الاداري الجدي المنظم.. بحاجة حقيقية للخروج من فوضى الثقافة ومن تيبس الادارة.
أما للإجابة عن سؤال: كيف تشكلت الأزمة؟ فهذا يقودنا إلى البحث عن طبيعة المحاضن من البيت والمدرسة والجامع الى المحافل الثقافية والإعلامية لنكتشف أي الأسباب التي دفعت بالمثقف إلى اليأس والعزوف عن الكفاح.. إن بيوتنا ومدارسنا كما مساجدنا وثقافتنا الدينية السائدة تشترك في أحداث الانفصام داخل نفوسنا بين الثقافة والإدارة.. وهنا لابد من إعادة النظر في مناهج التعليم والتربية وفي الخطاب الديني الذي يغرقنا في الماضي وصراعاته ويصرفنا عن الواقع بافتعال مشكلات غير معاشة..
إننا بحاجة حقيقية لتكوين المثقف الإداري المرتب المبرمج وإلى الإداري المثقف المفكر القيمي..حتى نحقق الخطوة الأولى في ذلك نبدأ رحلة النهضة.