بين الجزائر وتونس وليبيا.. من نجح في احتواء أزمة انقطاعات الكهرباء؟
كشفت موجة الحر القياسية التي اجتاحت المنطقة خلال الأيام الماضية عن تباين واضح في قدرة الجزائر وتونس وليبيا على التعامل مع اضطرابات الشبكات الكهربائية، إذ نجحت الجزائر في احتواء انقطاع واسع للكهرباء وإعادة التموين تدريجيًا خلال وقت وجيز، بينما واجهت تونس وليبيا تداعيات أكبر امتدت إلى خسائر بشرية واحتجاجات وانهيار شبه كامل للشبكة الكهربائية.
وأظهر تقرير لمنصة “الطاقة” المتخصصة أن الأعطال التي شهدتها الدول الثلاث اختلفت في أسبابها، إلا أن سرعة الاستجابة وكفاءة إدارة الأزمة شكلتا العامل الفارق في الحد من آثارها، في وقت فرضت فيه موجات الحر مستويات قياسية من الطلب على الكهرباء.
الجزائر.. تدخل فوري وإعادة سريعة للخدمة
شهدت الجزائر مساء الأربعاء 15 جويلية 2026 اضطرابًا في الشبكة الكهربائية الوطنية إثر عطل مفاجئ أصاب منشأة كهربائية رئيسية بمنطقة سيدي عقبة بولاية بسكرة، ما تسبب في انقطاع التيار عن عدد من ولايات شرق البلاد.
وباشرت الفرق التقنية التابعة لمجمع سونلغاز التدخل مباشرة بعد تسجيل العطل، حيث تم عزل موقع الخلل وإطلاق عمليات إعادة تشغيل الشبكة، قبل أن تعود الكهرباء تدريجيًا إلى الولايات المتضررة خلال فترة وجيزة.
وأكدت وزارة الطاقة والطاقات المتجددة أن العطل تسبب في تذبذب متسلسل داخل الشبكة الوطنية، فيما أوضح مدير الإعلام والاتصال بالوزارة، خليل هدنة، أن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة والرطوبة، والذي دفع الطلب على الكهرباء إلى مستوى قياسي بلغ 21 ألفًا و378 ميغاواط، ساهم في زيادة الأحمال وتسريع انتقال آثار العطل بين مكونات الشبكة.
وشدد المسؤول على أن الانقطاع كان ظرفًا استثنائيًا ولم يكن نتيجة أزمة هيكلية في المنظومة الكهربائية، وهو ما عززته سرعة استعادة الخدمة واستقرار الشبكة.
كما انتقل الوزير الأول سيفي غريب ووزير الطاقة والطاقات المتجددة مراد عجال إلى مركز التحكم في منظومة الكهرباء الوطنية لمتابعة عمليات إعادة التغذية والإشراف ميدانيًا على تدخلات الفرق التقنية، في خطوة عكست المتابعة المباشرة للأزمة على أعلى مستوى.
وأشار التقرير إلى أن الجزائر، التي تعتمد أساسًا على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء، تواصل في الوقت نفسه توسيع مشاريع الطاقات المتجددة وتحديث منظومة الإنتاج لمواكبة الطلب المتزايد وتعزيز موثوقية الشبكة الوطنية.
تونس.. انقطاعات متكررة وتداعيات إنسانية
في المقابل، واجهت تونس أزمة أكثر تعقيدًا مع تكرار انقطاع الكهرباء في عدة مناطق ولساعات طويلة، بالتزامن مع موجة حر رفعت الطلب على الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة.
وأسفرت الأزمة، بحسب وسائل إعلام محلية، عن وفاة خمسة أشخاص بعد توقف أجهزة التنفس الاصطناعي داخل منازلهم، بينهم مريضة بالسرطان، كما شهدت البلاد حالات احتجاز داخل المصاعد وإغماءات استدعت تدخل فرق الإسعاف، إضافة إلى احتجاجات شعبية بسبب تكرار الانقطاعات.
وأرجعت الشركة التونسية للكهرباء والغاز “الستاغ” الأزمة إلى الارتفاع القياسي في الاستهلاك، مؤكدة أن تطبيق القطع الدوري للتيار كان إجراءً احترازيًا لتفادي انهيار شامل للشبكة.
وأوضح الرئيس المدير العام للشركة، فيصل طريفة، أن الضغوط على الشبكة تفاقمت أيضًا بعد العطل الفني الذي شهدته منشأة سيدي عقبة شرق الجزائر، نظرًا لاعتماد تونس على اتفاقيات تبادل الطاقة مع الجزائر خلال فترات الذروة.
كما انتقد الرئيس التونسي قيس سعيّد تكرار الانقطاعات، مؤكدًا أن استمرارها بهذا الشكل غير طبيعي، ومعلنًا محاسبة كل من يثبت تقصيره.
ليبيا.. انهيار للشبكة واستعانة بالربط مع مصر
أما في ليبيا، فقد شهدت البلاد مساء الجمعة 17 جويلية انهيارًا واسعًا للشبكة الكهربائية عقب خروج عدد من محطات التوليد الاستراتيجية عن الخدمة بصورة مفاجئة، ما أدى إلى فقدان نحو 1350 ميغاواط من القدرة الإنتاجية وانقطاع الكهرباء عن معظم أنحاء البلاد.
وأوضحت وزارة الكهرباء أن الأزمة بدأت إثر فصل مفاجئ للخط الناقل بجهد 400 كيلوفولت بين محطتي مصراتة والخمس، ما تسبب في خروج متتالٍ لوحدات التوليد وانهيار تردد الشبكة.
ولاحتواء الأزمة، استعانت ليبيا بخطوط الربط الكهربائي مع مصر، حيث أسهمت الكهرباء المستوردة في إعادة تشغيل عدد من المحطات، بينها الزويتينة والسرير وطبرق وشمال بنغازي، فيما دخلت الفرق الفنية حالة استنفار لإعادة الخدمة تدريجيًا.
وامتدت تداعيات الانقطاع إلى مشروع النهر الصناعي بعد توقف التغذية الكهربائية عن عدد من حقول الآبار ومحطات الضخ، ما استدعى خفض الإمدادات المائية مؤقتًا، بينما أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة فتح تحقيق في أسباب الانقطاع وانتقد أداء الشركة العامة للكهرباء.
ويبرز التقرير أن الأحداث الأخيرة أظهرت تفاوتًا في جاهزية شبكات الكهرباء وآليات إدارة الأزمات، حيث تمكنت الجزائر من احتواء العطل الفني وإعادة الخدمة بسرعة، في حين واجهت تونس وليبيا انقطاعات أطول وتداعيات إنسانية وتشغيلية أوسع، الأمر الذي يؤكد أهمية الاستثمار في تطوير البنية التحتية الكهربائية وتعزيز مرونة الشبكات لمواجهة الطلب المتزايد خلال موجات الحر.