بين المداراة والإهانة خيط رفيع يحكم العشرة
تنتقل الفتاة من بيت أهلها إلى بيت زوجها، لا تعرف عن عاداتهم الكثير، فتحتاج إلى توجيه ربة البيت، واطلاعها على أسرار الطبخ ونظام العائلة وروتينها، فبعضهن يجدن المساعدة والتضامن من أم الزوج، كما يجدنها من الأم، وأخريات يواجهن كابوس الانتقادات والإهانات من حموات يساهم أسلوبهن في تحطيم العشرة.
لم لا تتعلم الكنة؟
يقول الحديث: “اثنان لا يتعلمان، مستحٍ ومتكبر”، وانطلاقا من هذا، تتملص الكثير من الحموات من مسؤولية تعليم الكنة، فحسب السيدة باية من المدية، ليس هناك ما يدفعها إلى الركض وراء كنتها لتعليمها الطبخ، لأنها متكبرة وتدعي إحاطتها بكل شيء، رغم صغر سنها. تقول باية: “دخلت زوجة ابني الأصغر إلى بيتي بعمر الحادية والعشرين، ومنذ أزيد من ست سنوات لا تسألني عن وصفة طبخ، ولا عن تربية الأطفال، ولا شيء آخر، إنها تستعين دائما بوصفات ونصائح الإنترنت، رغم عيشنا في بيت واحد، وتدعي أنها تعلمت ذلك بمفردها.. كنتي تعتقد أن في السؤال والمشورة عيبا أو حرجا..”. تقول هذه السيدة كلامها، وتؤكد أنها لم يسبق لها أن جادلت كناتها أو أحرجتهن، بل إنها تعتبرهن بناتها وتعلمهن كل شيء، إلا المتكبرة عن التعلم، وهو ما جعل علاقتهما متوترة على الدوام.
وبينما هناك الكثيرات من الكنات يتكبرن، هناك بعض حديثات الزواج خاصة ممن يستحين من طلب المعرفة، خوفا من أن يظهرن غير متعلمات وغير مؤهلات للزواج، فيكتمن جهلهن ويتحملن تبعاته في صمت دون طلب المساعدة من حمواتهن، وهو ما حدث مع فريال في بداية زواجها، تقول: “كنت طالبة جامعية أقضي جل وقتي خارج المنزل، وتزوجت بعد التخرج مباشرة، لا أتقن الطبخ ولا أعرف عن العادات شيئا، حتى أمي سيدة عاملة..”. فريال وجدت نفسها في عائلة أكثر أفرادها من البنات، كلهن يتقنّ حرفا متنوعة، طبخهن ممتاز ويعرفن الكثير عن كل ما هو عادات وتقاليد، فأصيبت بالإحباط وتكونت لديها عقدة متأزمة بأن كل سنوات دراستها وتفوقها لم تفدها لتكون ربة بيت جيدة، فكانت تلاحظ بعينها ولا تقوى على السؤال رغم إعجابها بإنجازات أخوات زوجها، اللواتي يصغرنها سنا، تضيف: “بعد نحو شهر من زواجي، حماتي اكتشفت أمري، ومن دون أن تحرجني مزيدا، أصبحت تستدعيني لأكون بقربها أثناء الطبخ، وتقدم لي شروحا عن كل طبق، مكوناته، ومفعول التوابل.. وفي كل فرصة، تحدثني عن تقاليد المنطقة وطقوسها للاحتفال بالأعياد الدينية والمناسبات المختلفة، لكوني من ولاية أخرى تختلف فيها العادات، بدأت أشعر مع الوقت بأن حماتي قدمت إلي دروسا قيمة في الحياة، لم يكن لأمي متسع من الوقت لتقديمها”.
الصراخ والاستصغار والاستهزاء يحطمون العشرة بين الكنة والحماة
في الوقت الذي تنتهج فيه بعض الحموات أساليب لتعليم كناتهن وتلقينهن قوانين البيت وعادات العائلة، كالتي يستعملنها مع بناتهن تماما، هناك بعض الحموات، يتمتعن بإهانة واستصغار زوجات أبنائهن، ويجتهدن لإظهار ضعفهن في جانب من جوانب الطبخ أو التنظيف أو حتى الإتيكيت أحيانا، وهو ما يرشحه أخصائيون اجتماعيون ليكون السبب الأول وراء كره الحماة للكنة، وليس الصراع على قلب واحد، مثلما هو شائع في المجتمع الجزائري.
سميحة، طبيبة شابة من البليدة، تزوجت بزميل لها يقطن بالشرق الجزائري، وانتقلت للعيش مع أهله هناك، تروي معاناتها مع حماتها، وعن رغبة هذه الأخيرة في التملك والسيطرة، ما حال بين تعلم سميحة لعادات المنطقة وتأقلمها معها: “إذا دخلت المطبخ نطت ورائي، تركت انشغالاتها، ووقفت تراقبني كيف أطبخ وكيف أغسل الأواني وماذا ألبس لشغل البيت، ورغم أنني أقتني كل لوازم الطعام من ميزانيتي، تنعتني بالمبذرة، وتفضل أن تعد هي الطعام بحجة أنني لا أعرف طرقهم في ذلك..” المشكل الكبير الذي تواجهه سميحة منذ أشهر، وتحاول كبح غضبها وجنونها أمامه، هو أن حماتها توجه إليها النصح على شكل إهانة، وتسألها باستهزاء عما علمتها أمها القيام به، وأحيانا تصرخ دون أن تراقب نفسها، تقول: “لقد بلغت بها الوقاحة والاستصغار درجة أنني حضرت مرة طبقا تقليديا، فلم تتوقف عن مجابهة زوجي والتهكم عليه بأن الطبيبات يطبخن طعاما سيئا ولا ينجزن أشغال البيت بإتقان”.