الجزائر
حين تتحول بيوت الله إلى رياض للأطفال

بين براءة الصغار وهيبة المحراب… جدل “الضجيج” يتجدد في المساجد

إسلام بوشليق
  • 440
  • 0
ح.م
تعبيرية

يحرص العديد من الآباء والأمهات، بدافع حسن النية والتربية الإيمانية، على اصطحاب أبنائهم الصغار إلى صلاة التراويح خلال شهر رمضان المبارك. لكن، وللأسف الشديد، يتكرر كل عام مشهد الإزعاج والضوضاء الذي يسببه هؤلاء الأطفال داخل بيوت الله، مما يؤدي إلى تشتيت أذهان المصلين وتحويل المسجد إلى ما يشبه “الحضانة”؛ حيث يجد الإمام صعوبة في القراءة والمصلون مشقة في الخشوع. هذا الوضع يجدد سنوياً الجدل حول هذه الظاهرة، بين تيار يدعو للتشدد في منع اصطحاب الصغار بكثافة، وتيار يؤيد وجودهم لغرس قيم الإيمان وتعويدهم على ارتياد المساجد منذ نعومة أظفارهم.
أجمع العديد من المصلين في حديثهم لـ “الشروق اليومي” على أن بعض المساجد في رمضان تتحول إلى “روضات أطفال” بفعل البكاء والصخب والفوضى، مما يقلب طبيعة المكان من بيت للوقار والسكينة إلى فضاء يسوده الاضطراب وسوء التفاهم بين المرتادين.
ولم يتوقف الأمر عند الضجيج، بل وصل إلى وقوع مشاجرات؛ ففي إحدى السنوات شهد أحد مساجد الشرق الجزائري شجاراً بالأيدي في ساحته الداخلية فور انتهاء الصلاة. وتعود وقائع الحادثة إلى ثورة أحد المصلين في وجه أطفال أحدثوا صخباً كبيراً، ليتطور الأمر إلى ملاسنة حادة مع أوليائهم ثم عراك بالأيدي كاد أن يؤدي إلى كارثة لولا تدخل المصلين لفض النزاع.
وقد أثارت هذه الحادثة استنكاراً واسعاً، وفتحت باباً للنقاش بين مؤيد ومعارض لوجود الأطفال الصغار جداً، والذين يصل بعضهم لمرحلة “الرضع” خاصة في مصليات النساء. ويروي المصلون مشاهد صادمة؛ حيث يتسابق الأطفال ويقفزون فوق المصلين في أثناء السجود، أو يرمون القارورات البلاستيكية فوق ظهورهم، مما يضطر الكثير من كبار السن إلى هجر مساجدهم المعتادة بحثاً عن الهدوء والسكينة بعيداً عن هذه الفوضى العارمة.

“دعوهم يحبون المساجد”… وجهة النظر الأخرى
تكمن المشكلة في إصرار الزوجين على أداء التراويح معا، مما يجعلهما يتقاسمان عبء مراقبة الأطفال، وهو أمر يصعب ضبطه في بيئة المسجد. ومع ذلك، يرى مدافعون أن لتواجد الأطفال ميزات كبرى؛ فهو يعودهم على الصلاة ويحميهم من مخاطر الشارع والانحراف. ويستحضر هؤلاء التاريخ الجزائري، حيث تخرج رجالات الدولة من الزوايا والمساجد وهم أطفال، كالأمير عبد القادر الذي حفظ القرآن في السابعة، والشيخ ابن باديس الذي أمَّ الناس في التراويح بجامع الأخضر وهو دون الحادية عشرة.
وفي هذا السياق، يرى الإمام الشيخ “ياسين” ضرورة تنبيه الأطفال برفق دون زجر أو طرد، مستشهداً بفجر الإسلام حين كان أبناء الصحابة يملؤون المسجد، ومنهم الحسن والحسين- رضي الله عنهما- وهما دون الخامسة.

شقاوة براءة أم عبث وتخريب؟
رغم تلك الرؤية المتسامحة، يشكو مصلون من سلوكيات تتجاوز “البراءة”؛ كضياع الأحذية التي يكتشفون لاحقاً أن الأطفال ألقوها عند مصلى النساء، أو قيام بعض النسوة بجلب المأكولات والعصائر التي تتسبب في اتساخ السجاد وإيذاء المصلين عند السجود. ووصل العبث في بعض المساجد إلى وضع الماء داخل أحذية المصلين، أو حتى قطع التيار الكهربائي، مما أجبر المصلين على إكمال التراويح في ظلام دامس.
بين هؤلاء وهؤلاء، يظل الرد حاضراً بأن ما يحدث هو “شقاوة أطفال” ممزوجة بالبراءة، وأن جمع العائلة في بيت الله من الصغير إلى الكبير هو نعمة اجتماعية ودينية لا ينبغي التفريط فيها، مهما بلغت درجة “المشاكسة”.

مقالات ذات صلة