بين جيل “طاب جنانو” وآخر لم يخرج شطأه
اختتام 2017 بأنباء جيِّدة تعِد باستقرار أسعار النفط، وتوجهها نحو الارتفاع في السنة الجارية، سمح للسلطة بتنفس الصعداء، ونسيان خطاب التخويف الذي استهلَّ به أويحيى عهدته، وأعدَّ على إيقاعه ميزانية مجحفة رمت بعبء التقشف على المواطن، بينما “عادت حليمة إلى عادتها القديمة” برفع كثير من القيود عن الاستيراد، وآزرها البرلمان بحماية الأثرياء من الضريبة على الثروة، فيما أغلق باب الاجتهاد في ما يحسن بالبلد التفكير فيه زمن اليسر قبل أن يضطر إليه زمن العسر.
على المستوى الاقتصادي والمالي ليس أمام السلطة تحدياتٌ كبيرة تُذكر، وما يزال الاحتياطي المالي في حدود 97 مليار دولار، وضعف المديونية الخارجية يحميان ظهر الحكومة، ويطمئنان المستثمرين الخواص والأجانب باستمرار طلب الدولة على الخدمات في السكن والطرق والمواصلات واستقرار السوق، ويمنح الدولة فرصة مواصلة تنفيذ الاستثمار المشترك وفق مبدأ 51 /49 .
وعلى الصعيد السياسي فإن انجاز آخر استحقاق قبل الرئاسيات قد أنهى المضاربة على “ترحيل” رأس الدولة بالمادة 102، وأعاد توزيع “الأرزاق” بين مكونات المعارضة وفق مبدأ “الولاء والبراء” ومقدار قربها وسابق الصحبة لـ”رب الدزاير” المُقال، وقد سكتت الأصوات التي كانت تخوِّف الجزائريين بقيام القيامة قبل 2019 ما لم تقبل السلطة بترحيل نفسها بنفسها، وتسليم قصر المرادية لكشافة “مخيم” مزفران.
اجتماعيا تبدو الساحة مستقرة حتى بعد تطوع قطاع الصحة ـ كالعادة ـ لتسخين ساحة المطالب الاجتماعية، واستقباله عصيّ شرطة مكافحة الشغب، بما قد يثبِّط القطاعات الأخرى عن اللجوء للشارع، وليس في الأفق بؤرٌ مشاغبة قابلة للتوظيف السياسي، بعد أن أخمِدت نيرانُها في غرداية وأدرار، وألقي لمنطقة القبائل بـهديّة ترسيم ينَّاير عيدا وطنيا، وتوسيع استعمال الأمازيغية.
أمنيا تبدو البلد ممسوكة جيدا: داخليا كما على مستوى تثبيت الجبهات الملتهبة شرقا وجنوبا، وتراجع حدة التهديدات الإرهابية، وفرص ضرب استقرار البلد بترحيل أزمات ليبيا ودول الساحل، وتسليم إدارة ملف الصحراء الغربية لمبعوثٍ أممي جديد ليس له أدنى فرصة لتحريك الجمود القائم منذ 2007 مع تمسُّك أطراف النزاع بالإدارة السياسية والدبلوماسية لنزاع غير قابل للتحريك بالأدوات العسكرية.
وبقدر ما كانت الظروف تشفع للدعوة إلى عهدة رابعة، سيَّرها الرئيس خلف حجاب، فإنه لا يُعقل أن يحمل الرجل فوق طاقته، ويكفيه من التكريم أن يقبل أنصارُه وخصومه بجرد حساب العهدات الأربع، التي لم تكن كلها شرا، أو خارقة فوق العادة، ويُسمح له بشرف إدارة تسليم العهدة من الجيل الذي وصفه في سطيف بجيل “طاب جنانو” إلى جيل لم يخرج بعد شطأه فيستغلظ فيستوي على سوقه، ولا بأس أن يمنح الفرصة التي منحها التاريخ لشباب جيل نوفمبر.
وحيث أن الخيارات الكبرى قد حُسمت على مستوى رأس الدولة، وبالقدر الذي يمتنع معه على أي وافد تغييرها، أو حرفها عن مسارها، فليس ثمة من فرص وظروف أفضل لبناء توافق وطني واسع، يهتم بإعادة بناء المشهد السياسي الموروث عن دستور 89 وفتنة العشرية السوداء، وحقبة استعادة السِّلم وتثبيته، لأن البلد سوف يكون بحاجة في العشر سنوات القادمة إلى سلطةٍ قوية وموحدة، كما هو بحاجة إلى معارضة قوية تكون خزان البلد لصناعة البدائل وفرص التداول الآمن على السلطة.