تأجيل الدعوة لدولة لا تعصى فيها قوانين الخلق والخالق
قليل من الاستطراد في مقدمات ما كان مطروحا قبل عامين، ظاهرا جليا، أو ما كان محض استشراف أيّدته الأحداث لاحقا، قد يساعدنا اليوم أكثر من الأمس في استشراف التحديات التي تواجهها النخب الإسلامية، وقد فتح لها “الربيع” باب السماء في غير موعد ليلة القدر، وفرش لها النمارق من يريد منها أن يعانق، بعد أن كان منذ حين يحز منها المخانق، أو يسوقها إلى حبال المشانق، أو نكتفي بما قاله إخوان لنا في الخلق من الجن: أشر أريد بالقوم “…أم أراد بهم ربهم رشدا”.
- مع إصراري في السنوات الثلاث من عمر “موازنات” على تصوير المشهد العربي بما فيه من ضعف ووهن، تفاقما مع بداية حراك الربيع العربي، ظهر في المقابل إصرار عند شريحة من القراء على الحاجة للبحث في البدائل، بدل الاستغراق في تسويد لوح الثورات العرب، وتثبيط المواطن العربي الثائر.
ومن أجل حسم الجدل وتحرير الموقف، والرد على من عاتبني في الموقف الناقد المشكك في أصالة الثورات العربية، فإني ألتمس الإذن من القراء المداومين على قراءة “موازنات” بالرجوع إلى بعض المقالات التي سبقت الربيع العربي بشهور، ليرى معي كيف أن ما يشاهده اليوم كان خاضعا للرصد، قابلا للاستشراف، وأن ما آل إليه الحراك اليوم يطرح أسئلة أعقد من تلك التي كانت تطرح في بداية الموسم.
حلف الفضول إلى حين قيام الجيل الفاضل
فمع نهاية شهر نوفمبر من سنة 2008، كتبت في ”موازنات” مقالا بعنوان: ”الحاجة إلى حلف فضول في انتظار ولادة الجيل الفاضل”، أقتطف منه بعض المقاطع المطولة التي تفي بالغرض من الاستطراد:
“قبل أن يكون العالم العربي بحاجة إلى إصلاح، فهو بالتأكيد بحاجة إلى مصالحة تاريخية بين الشعوب ونخبها الحاكمة، تنتهي بإبرام هدنة طويلة المدى، تطمئن خلالها النخب على ما بين أيديها من امتيازات سياسية ونفعية… مقابل تحرر النخب الحاكمة من التبعية والهيمنة الأجنبية، على أن تطمئن الشعوب على مكونات هويتها الدينية واللغوية والثقافية، وصيانة الحقوق الأصلية للأفراد، في أبدانهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، والاجتهاد قدر الإمكان لبناء دولة مؤسسات قادرة على الدفاع عن السيادة الوطنية، وثروات الأمة، وأمنها القومي”.
“ذلك لأن مشكلة الدول والشعوب العربية ليست ناتجة عن قصور، ولا عن جهل، ولا عن ميل للخيانة والتفريط في مصالح الدول والشعوب، بقدر ما هي متصلة بحالة الخوف المختلق من الشعوب، الذي يلقي بالنخب الحاكمة، كيفما كانت مشاربها، في أحضان القوى الغربية المهيمنة… وتقول الشعوب لحكامها ما قاله الرسول، صلى الله عليه وسلم، مطمئنا، لبعض الوُفود من اليمانيين: “ما لم تضمروا الإماق وتأْكلوا الرِّماق”؛ أي يكون لكم الوفاء ما لم تأْتوا بالمَأْقة فتغْدُروا وتَنْكُثوا، وتأكلوا الكثير من العيش القليل للكثرة”.
بيت قصيدة العرب في ولاية ”آل بيت” الغرب
“فمن أكبر المغالطات التي وقعنا فيها، ووقعت فيها النخب القومية، كما النخب الإسلامية، الاعتقاد أن الخيارات القومية ونخبها كانت مستهدفة لذاتها، لأسباب عقائدية صرفة، أو أن الخيارات الإسلامية ونخبها تحارب اليوم بدوافع خوف الغرب من هيمنة القوى الإسلامية على المشهد العربي، لأنني أرى أيضا قدرا عاليا من العداء الغربي لظهور خيار ونخب ليبرالية ديمقراطية أهلية، متحررة من التبعية، تحمل مشروعا وطنيا لشعوبها، متصلة بشعوبها، واثقة بها، لا تخشاها”.
“ها هنا في نظري بيت القصيد، فلا القومية العربية، ولا الحركة الإسلامية، بأطيافها المتشددة أو المنفتحة على الحداثة، تشكل تناقضا مع الغرب المهيمن، المقبل على افتراس المنطقة سياسيا واقتصاديا وثقافيا. فالقوى المهيمنة المفترسة هي على استعداد للتعامل مع القوميين والإسلاميين، ومع جميع أشكال وأنظمة الحكم، إن هي أنست منها أمرين:
الأول: القصور المركب فيها، أو الذي ترضاه بمحض إرادتها، في تصور سياسات وبرامج حكم من شأنها تحقيق قدر من الاستقرار والنمو داخل البلد القطر.
الثاني: الرغبة والقدرة على إحباط أية محاولة في اتجاه بناء شكل من أشكال التقارب والتعاون بين الأقطار العربية، وبمعنى آخر، أن تكون هذه النخب قادرة وعندها الاستعدادات على إدارة الجمود والسبات الشتوي المتواصل في هذه المنطقة من العالم”.
الطيب والخبيث في سياسة الحيوان الصامت
وقد خلصت في ذلك الوقت المبكر إلى أن الخيار الأفضل يكون في “البحث الطيب عن حلف المطيبين” ولفت الانتباه إلى أن الشعوب هي “كيانات خرساء، حيوان صامت، كتلة من الطاقة الجامدة، ومنجم لخامات لا تنضب، وطاقات جبارة متجددة، غير أنه لا يمكن تحميلها مسؤولية المبادرة، ولا ينبغي أن تترك لها المبادرة، لأنها لا تتحرك إلا عند اليأس، ولا تتحرك إلا في اتجاه الشغب المنفلت، لكنها عندها على الدوام، قابلية للانقياد لما تعرضه عليها النخب، حين تلتمس عندها قدرا من الصدق والإخلاص”.
وسوف يلاحظ القارئ الفطن، إلى أن هذه المقالة شكلت مرجعية وأرضية لمعظم المقالات التي خصصتها لأوضاع العالم العربي، وعكفت فيها أدعوا إلى البحث عن توافق تتبعه هدنة يجنب بلداننا الفتنة فجاء في نفس المقالة:
“الدعوة إلى مثل هذه الهدنة تعني، بالضرورة، استعداد جيل كامل للتضحية بحقه في المشاركة السياسية، وتداول نخبه على السلطة برضاه، وتعني الاستعداد لمنح عفو شامل للنخب الحاكمة، وطمأنتها من أي نوع من أنواع المتابعة”.
السهل الممتنع في إدارة التغيير الناعم
وفي مقال آخر بتاريخ 16 12 2008 كتبت تحت عنوان: “البحث عن تغيير ناعم لنظام الحكم” نظرت فيه إلى نفس المشهد العربي من زاوية ما هو مطروح على المستوى القطري في بلد مثل الجزائر: “أمام الانسداد الحاصل في المشهد السياسي، عشية استحقاق الرئاسيات، وغياب آفاق واضحة، هل يكفي ما تفعله بعض النخب من تشريح الواقع، والوقوف عند الأسباب التي قادت نظام الحكم في بلدنا إلى هذا الانسداد القاتل، أم أنها لن تبرئ ذمتها إلا بالتوصل إلى صياغة أكثر من بديل، يأخذ بعين الاعتبار الحاجة إلى التعامل مع الواقع، وبالضرورة البحث عن صيغ غير تصادمية، تشرك فعاليات كثيرة نافذة في النظام القائم، وتمنحها سهما في مشروع التغيير”.
“المشهد الذي نراه في الجزائر هو ذاته المشهد الذي نشاهده في مصر والمغرب وفي وسوريا، وفي معظم الدول العربية: مشهد مقفل مسدود معطل متجمد، يستعصي على التغيير من خمس طرق على الأقل: استحالة التغيير الإرادي من الداخل، واستحالة التغيير بالقوة، واستحالة سقوط وتفسخ النظام بطريقة ميكانيكية داخلية، واستحالة التعويل على العامل الخارجي، وأخيرا استحالة تفرد قوة أو تيار فكري بإدارة قطار التغيير، مع ضعف القوى السياسية والاجتماعية، ووهن قوى التغيير داخلها، وغياب أي ضغط خارجي يدفع بالنظام إلى طرق بوابة التغيير”.
تحرير ”خادمة” الدولة من وثنية السلطة
وبتاريخ 20 06 2009 كتبت تحت عنوان “بعد قرن من التسويف والممانعة في بناء دول دينها القانون”، “الحاجة إلى تحرير بيروقراطية الدولة من وثنية السلطة”، في وقفة خاصة مع ساحة تحتاج إلى أكثر من مجرد الإصلاح والترميم، وأعني بها سلطة الجهاز البيروقراطي الذي هو من أقوى الأسلحة عند النظم لإعادة تجديد الذات ومنع الإصلاح والتداول، فكتبت:
“إذا كنّا نعيش هذه الأيام زمن فشل العلاج الديمقراطي الليبرالي لعلل العالم العربي والإسلامي، بعد تداول القوميين والاشتراكيين والإسلاميين والعلمانيين على سلط ونظم ممانعة لبناء الدول، فلابد أن نعترف أنه قبل المطالبة بدولة يحتكم فيها لمبدإ: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” قد نحتاج إلى بناء دول تؤمن مؤسساتها بمبدأ: “لا طاعة لمسئول في معصية القانون”.
ثم أبرزت فساد الدعوة إلى ”التداول على السلطة” الزائلة بزوال الرجال، بدل البحث عن توافق لبناء الدولة أولا، والتي لا يمكن أن تكون محل تنافس ومغالبة.
وانتهيت إلى ما بدا لي حالة صريحة من حالات “تآمر النخب على منع بناء الدول” ووجود ما يشبه التوافق بين “القوميين والوطنيين، العلمانيين والإسلاميين، الليبراليين والاشتراكيين، حول تفضيل بناء السلطة بدل تشييد الدولة” والتوافق على تقسيم سلطة المناولة، بدل التوافق حول بناء ”دولة المواطنة”.
التوافق على الدولة قبل المغالبة على السلطة
“فالسلطة لا تحتاج لإجماع المواطنين، ولا إلى قيام عقد اجتماعي، فقد تنشأ عن طريق المغالبة البهيمية الصرفة، كما قد تنشأ عن طريق التنافس السلمي… غير أن الدولة لا تقوم وتصمد إلا بعد حصول وفاق وطني، وتحرير عقد اجتماعي بين أغلبية المواطنين، يكون في الحد الأدنى على المؤسسات التي تفي بالوظائف الملكية الرئيسة للدولة، كالأمن والدفاع عن السيادة، والعدالة وسيادة القانون، ثم لا مانع بعد ذلك أن تتداول النخب السياسية على السلطة، وتستعين بمؤسسات الدولة المجمع عليها بوفاق وطني، على أن يبقى ولاء مؤسسات الدولة للدستور والقانون، أي لمصلحة لإجماع الوطني، وليس للجهة الماسكة بالسلطة، كما هو اليوم حال معظم مؤسسات الدولة، وإداراتها الكبرى التي تعمل على طريقة ”مات الملك فليعش الملك”.
لم يكن هذا التوقف وقتها عند العلاقة بين السلطة والدولة محض ترف فكري، بل لأن الواقع العربي كان ومازال يشهد باستمرار عبث النظم بالدساتير التي لم تنشأ عن توافق وإجماع، كما غاب عن ممارساتها مبدأ “لا طاعة لمسئول في معصية القانون” الذي يجسد فعلا “دولة القانون حين تكون قائمة” وعبثا تبحث في الدساتير القائمة، أو في مسودات دساتير الثورات، عن هذا المبدإ الذي له تأصيل شرعي في المبدأ الإسلامي: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” فيعتمد مبدأً تشريعيا يحاكيه بالقول: “لا طاعة لمسئول في معصية القانون” يحمي هذا الجيش من الإداريين والتقنوقراطيين العاملين بمؤسسات الدولة من الأوامر الفوقية الاستبدادية، التي حولت الإدارات ومؤسسات الدولة إلى مؤسسات تدين بالولاء والطاعة أولا وأخيرا للمسئول صاحب السلطة”.
في انتظار ”إحلال” الجماعة في ”مسخ” السلطة
ومادام حال دولنا على هذا النحو، ولا نرى في ما جاءت به الثورات العربية ما يبشر ببديل منتج للتغيير “فإنه حتى مع بناء مؤسسات دولة، فإن الممانعة القائمة حيال قيام فصل حقيقي بين هذه المؤسسات الدائمة للدولة، وأجهزة السلطة والحكم، فإن السلطة القائمة تحتفظ بهامش واسع لتنفيذ حالة شبيهة بما يعرف عند الصوفية بـ”الإحلال”؛ بمعنى أن الجماعة التي آلت إليها السلطة بالمغالبة البهيمية، أو حتى عبر المسارات الانتخابية، لا تحتاج لوقت أو جهد لتنفذ عملية “الإحلال” الشامل داخل جسم الدولة ومؤسساتها، فتلحق الدولة بالسلطة، لتهدم من الأولى ما تشاء، وتبني ما تشاء، وتستبد كما تشاء، وتأتي بالغلول والنهب والفساد كما تشاء”.
لقد حاولت قبل وأثناء اندلاع الربيع العربي أن استوقف معي القارئ عند التحديات التي كانت ومازالت تمنع التغيير الحقيقي القادر على نقل هذا الفضاء العربي المستهدف إلى شواطئ آمنة يستعيد فيها المواطن زمام إدارة الأمر، ويحمى من الاستبداد الذي ليس حكرا على النظم التي لا تدين بالديمقراطية، كما ستكتشف ذلك بعد حين الشعوب التي تخلصت من رأس الاستبداد، وأمامها عقود من الجهد والاجتهاد حتى تطيح بالاستبداد.