الرأي

تاحمارت

الشروق أونلاين
  • 2110
  • 3

منذ أن فتح الله علي، على يد جارنا الطيب، وصرت أصلي في المسجد، صرت لا أضيع صلاة التراويح..لكن نومي طيلة النهار بقي بدون تغير. صلاة الفجر، صرت أصليها قبل أن أنام. شيء آخر تغير في، هو أني لم أعد أفرق الصيام بالسيجارة. جارنا نبهني لذلك في اليوم الموالي. فقد صرت أداوم معه على توزيع الحليب والتمر للمصلين قبيل الإفطار.

 بل صرت أنا من أتكفل بالأمر في غياب صاحب العمل. صرت أنا من يحمل الحليب والتمر إلى المسجد، أوزع ما يتم توزيعه وأعيد له البقية بدون زيادة ولا نقصان. الحمد لله، الأمان والأمانة تركها فينا أبونا الله يرحمه. حاجتي، كان يعطيها لي كل يوم هو بنفسه، وكان أحيانا يعطيني ما تبقى على المصلين. صرت أنا هو المكلف بالأمر، وصار الناس يشكرونني كأنني أنا صاحب العمل، وصرت أقول لهم: أدعو للحاج عبد الرحمن…هو صاحب العمل أما أنا فمجرد “خادم القوم سيدهم” (هكذا حفظتها بعبارتها). أحبني المصلون والتفوا حولي يسألونني عن حاجاتي. تعرفت على أناس كثيرين لم أكن أعرفهم..وأوكلت لي مهام في المسجد كأي قيم عليه. صرت لا أكاد أخرج من المسجد بعد التراويح. وداعا المقهى والدومينو..صرت أحضر لمجالس الذكر ولا أتابع أحاديث السياسة الفارغة ولا الرياضة ولا الأفيرات. حاجة واحدة لم أتركها: النوم وحب الأكل والشهية الزائدة عن اللزوم. لكن، بصراحة، أشعر أني تغيرت كثيرا..

 

يوم أمس، استيقظت في حدود الواحدة: صليت الظهر في المسجد وعدت لأنام، لكي أعود للصلاة عصرا، وبعدها المغرب. النوم عندي صار أقل بغض النظر عن طوله، فقد صار متقطعا، أي عبارة عن نومة عميقة تتخللها أوقات الصلاة. أما في السابق فكان نهاري عبارة فقط عن برزخ، لا يخرجني منه إلا يوم البعث عند المغرب. ما بين العصر والمغرب، نمت لأرى شيئا مفزعا: رأيت نفسي أتخاصم مع حمار حول التبن، هو يأكل من جهة وأن أعلف من جهتي ومن جهته. قال لي الحمار: أنت بنادم وإلا بغل؟.. كول فقط من جهتك..واش تكون حمار؟ قلت له: راني جيعان، أنت من الصبح وأنت مربوط وتاكل. قال لي: إذا كنت تريد أن تقوم مقامي، فتعالى لتربط في هذا المكان ومستعد أنا أن آخذ مكانك. قلت له: مستعد: المهم أن آكل وأن أشرب من الصباح إلى المساء ولا أصوم. قال لي: نبدأ من الآن إذا أردت: في الحين، وجدت نفسي أجر عربة والسوط يلهب مؤخرتي وأذني ورأسي وجنبي..والحرارة والباعة من حولي يساومون بلا شراء البطاطا التي لم يعد سعرها يطاق..وأنا أجر وألهث..وأنتظر متى أربط ويقدم لي علف اليوم. يوم بأكمله وأنا أجوب الشوارع ويلهب جسدي بالسياط، لأدخل الإسطبل مساء عند المغرب ليقدم لي تبن وماء. سألت الله العافية وأنا حمار.. لأجد نفسي أستيقظ وأنا بنادم في كامل قوايا العقلية والبدنية وقد اقتربت ساعة الحسم… آذان المغرب. قمت مسرعا وكلي “حماس” أن لا أفكر في الأرندي..

مقالات ذات صلة