تجارة النفايات المسترجعة.. الكابوس الذي أرّق العائلات والمؤسسات
ظهرت، في الأعوام الأخيرة، تجارة من نوع خاص، تتمثل في تجار الخردوات ومختلف النفايات، الحديدية منها والبلاستيكية وحتى النحاسية ومادة الألمنيوم والورق.. التي يتم تجميعها بغرض الرسكلة. وهو أمر إيجابي بالنظر إلى أهمية مثل هذه المشاريع في خلق الثروة ومناصب الشغل إضافة إلى دورها في تنظيف المحيط، لكن الملفت للانتباه ظهور تجار متنقلين بمركبات “خردة” يجوبون قرى مختلف البلديات ومدنها بحثا عن النفايات الصالحة للرسكلة. وهو أمر عادي بالنظر إلى غياب أدنى مخطط يسمح باسترجاع هذه النفايات وفرزها. وبالتالي، تسهيل المهمة في إطار هذه العملية، لكن أن يتعامل جامعو النفايات الحديدية والبلاستيكية مع الأطفال، فهنا يبدأ الإشكال، ومعه الانحراف والسرقة.. وهو الواقع الذي أهلك العائلات وحتى المؤسسات التي وجدت هي الأخرى نفسها في حيرة من أمرها.
ويتم إلى حد الساعة استرجاع النفايات القابلة للرسكلة، في ظل غياب المخططات، على مستوى مراكز الردم التقني للنفايات، التي تحولت إلى أشبه بمفارغ وسط الطبيعة، فيما تتعامل بعض المؤسسات المتخصصة في الرسكلة مع بعض الخواص الذين يتولون مهمة جمع النفايات بالاعتماد على مخططاتهم الخاصة، فمنهم من يجوب بمركباتهم المفارغ وحاويات القمامة وحتى شواطئ البحر وحواف الطرقات، بحثا عن هذه المواد، ومنهم للأسف من يتعامل خلال هذه العملية مباشرة مع الأطفال على مستوى القرى والمداشر وحتى المدن، حيث يقوم بعض الأطفال المعوزين بجمع النفايات القابلة للرسكلة، على رأسها تأتي المواد البلاستيكية والحديدية من أجل بيعها لتجار الخردوات. وهي الظاهرة التي بدأت تأثر سلبا على تربية هؤلاء الأطفال الذين يسعون ببراءتهم إلى كسب بعض النقود، وبالتالي ضمان مصروف جبيهم، حتى لو تطلب الأمر سرقة أغراض منازلهم الصالحة وبيعها على شاكلة خردة.
وفي هذا الصدد، فقد اشتكت العديد من العائلات من الأضرار الجسيمة التي لحقت بها جراء تعامل تجار النفايات المسترجعة المتجولين مع الأطفال، ما انعكس سلبا على تربيتهم، فمنهم من يتخلف على دراسته بحثا عن النفايات الحديدية والبلاستيكية في الخلاء معرضا حياته وصحته للخطر من دون الحديث عن ضياع مستقبله وذلك فقط من أجل ربح بعض النقود من خلال بيع ما تم جمعه للتجار المتجولين، علما أن القانون يمنع استغلال الأطفال، ومنهم من لا يجد أمامه من حل لكسب بعض النقود سوى أخذ أغراض منازلهم الصالحة للاستعمال وبيعها للتجار المتجولين. وهي الظاهرة التي شجعت بطريقة مباشرة هؤلاء الأطفال على السرقة والانحراف دون علمهم.. فكم من أب بحث عن فأسه ولم يجده وكم من أب سرقت بطارية مركبته من دون الحديث عن الأحذية البلاستيكية التي أضحت تفتش عنها العائلات، وذلك كلما سمعت أبواق مركبات تجار الخردوات.
ولم تؤثر تجارة النفايات سلبا على العائلات فقط، بل شملت حتى المؤسسات التي تكبدت خسائر فادحة خاصة عندما يتعلق الأمر بسرقة الكوابل النحاسية وأغطية البالوعات والأعمدة الحديدية وغيرها، بل فقد ساهمت هذه التجارة في ظهور عصابات ألحقت أضرارا كبيرة بالمؤسسات، على رأسها تأتي اتصالات الجزائر وسونلغاز وغيرهما. كما طالت مخلفات هذه الظاهرة حتى المواطنين الذين أضحوا يسيرون على طرقات مفخخة بعد سرقة أغطية البالوعات.
وأضحى من واجب الدولة التدخل من أجل تنظيم شعبة الرسكلة من خلال تسطير مخططات تسمح باسترجاع النفايات ضمن إطار منظم بعيدا عن السرقة والانحراف، كما يستوجب منع تنقل التجار المتجولين بين القرى وكذا منع تعامل هؤلاء مع الأطفال وعصابات البالوعات والكوابل النحاسية كما يستوجب إزالة جبال النفايات الحديدية التي أضحت تشوه المنظر العام مع تخصيص أماكن لتجميع هذه الخردوات.