الجزائر
قانونيون يؤكدون: "التشهير بالمجرمين ليس بديلا للقانون"

تجار ينشرون مقاطع لسرقات طالتهم ويهددون عبر مواقع التواصل الاجتماعي

مامن.ط
  • 477
  • 0
ح.م
تعبيرية

تشهد منصات التواصل الاجتماعي، في الآونة الأخيرة، انتشار ظاهرة لافتة، تتمثل في لجوء عدد من أصحاب المحلات التجارية، إلى نشر صور ومقاطع فيديو التقطتها كاميرات المراقبة لأشخاص يشتبه في ارتكابهم سرقات داخل محلاتهم، مع توجيه إنذارات تطالبهم بإرجاع السلع المسروقة خلال أجل محدد، تحت طائلة نشر التسجيلات كاملة وفضح هوياتهم أمام المتابعين.
ولا يتعلق الأمر بجرائم السرقة الكبرى أو السطو على الممتلكات، من مصوغات وأموال، وإنما بحالات فردية لسرقات بسيطة تقع داخل المحلات التجارية، وتطال في الغالب مواد غذائية ومشروبات وملابس ومستحضرات تجميل ومواد تنظيف وغيرها من السلع المعروضة للبيع، إلى درجة أن أحدهم نشر صور سيدة سرقت علبة بسكويت.
وباتت هذه المشاهد تتكرر على صفحات العديد من المحلات عبر منصات الفايسبوك والإنستغرام، بالإضافة إلى التيك توك، حيث يختار بعض التجار مخاطبة الشخص الظاهر في التسجيل بعبارات من قبيل، أمامك 24 ساعة لإرجاع السلعة، وإلا سننشر الفيديو كاملا مع صورتك الواضحة لنفضحك أمام أهلك والعالم، في محاولة لاسترجاع حقوقهم من دون اللجوء مباشرة إلى القضاء.
هذه الممارسة صنعت انقسامًا في الرأي العام، ففريق يعتبرها وسيلة ناجعة لردع السرقات البسيطة، خاصة في ظل الخسائر المتكررة التي يتكبدها التجار، بينما يرى فريق آخر أنها تؤسس لظاهرة خطيرة، قوامها تحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء لإصدار الأحكام، وتصفية الحسابات بعيدًا عن المؤسسات المخولة قانونًا بالفصل في مثل هذه القضايا.
ويؤكد قانونيون، ومنهم الأستاذة حياة معراف في هذا الصدد، أن المشرّع الجزائري وضع إجراءات واضحة للتعامل مع جرائم السرقة، مهما كانت قيمة المسروقات، تبدأ بإيداع شكوى لدى مصالح الأمن أو الدرك الوطني، أو أمام النيابة المحلية، مدعمة عند الاقتضاء بتسجيلات كاميرات المراقبة أو غيرها من وسائل الإثبات، لتباشر بعدها الضبطية القضائية التحقيق تحت إشراف النيابة المختصة، قبل أن يفصل القضاء في الوقائع وفقًا للقانون.
وتشير القانونية إلى أن نشر صور أو مقاطع فيديو لأشخاص مع اتهامهم علنًا بارتكاب السرقة قبل صدور حكم قضائي نهائي، قد يثير مسؤولية قانونية، إذا ترتب عنه تشهير أو مساس بالحياة الخاصة أو الإضرار بسمعة الشخص، لاسيما إذا تبين لاحقًا أن الوقائع لا ترقى إلى جريمة أو أن هوية الشخص قد أُسيء تحديدها، كما أن قرينة البراءة تبقى من المبادئ الأساسية التي يحميها القانون، فلا يُعد أي شخص مذنبًا إلا بموجب حكم قضائي نهائي.
من جانب آخر، يرى مختصون في علم الاجتماع أن هذه الظاهرة تعكس تنامي ما يسمى بـالعدالة الرقمية، حيث أصبح الضغط الذي تمارسه مواقع التواصل الاجتماعي في بعض الأحيان يفوق أثر العقوبات القانونية، بالنظر إلى سرعة انتشار المحتوى واستحالة محو آثاره حتى بعد حذف المنشورات.
أحدهم التقط صورة لزبون أو زائر لمحله، دسّ في حقيبته هاتفا نقالا من نوع آيفون، وقال بكلام حازم، بأنه سينشر صورة المعني واسمه ولقبه، إن لم يتقدم خلال 48 ساعة لطلب الصفح مع إرجاع الهاتف المسروق، بينما قدّم آخر لقطات عن سيدة سرقت حذاء رياضيا كانت تبدو في مظهرها في منتهى البؤس وربما الخبَل، وهدّد بكشف صورة واضحة لوجهها في حالة عدم إرجاع الحذاء الذي قال بأن ثمنه يصل إلى 5000 دج، وفي المقابل غالبية الضحايا من أصحاب المحلات، يأخذون ما تم تصويره مع شكوى إلى مصالح الأمن مباشرة، خاصة أن تثبيت الكاميرات في المحلات التجارية لا يتم إلا بترخيص أمني.
لا يختلف اثنان في أن حماية ممتلكات التجار حق مشروع، وأن مكافحة السرقات البسيطة ضرورة للحفاظ على استقرار النشاط التجاري، غير أن ممارسة هذا الحق ينبغي أن تتم عبر القنوات التي رسمها القانون، بعيدًا عن أساليب التشهير أو التهديد بالنشر، حفاظًا على حقوق جميع الأطراف، وصونًا لمبدأ سيادة القانون، لأن المتهم يبقى بريئا حتى تتم إدانته، وحتى أثناء إدانته لا يمكن التشهير به كما تقول القانونية حياة.
لقد أفرزت مواقع التواصل الاجتماعي وسائل جديدة للتعامل مع الظواهر اليومية، لكن تبقى العدالة اختصاصا حصريا لمؤسسات الدولة، فالتاجر من حقه أن يطالب بحماية ممتلكاته، لكن من واجبه أيضا أن يسلك المسار القانوني، لأن استرجاع الحق لا يكون بإهدار حق آخر، ولأن هيبة القانون تظل الضمانة الوحيدة لتحقيق العدالة وحماية المجتمع.

مقالات ذات صلة