الرأي

تجديد الرياسة للحمار حتى يرمم ما أفسده الفيل

حبيب راشدين
  • 6567
  • 11

زغاريد المتعودة من الإعراب، والمؤلفة قلوبهم من شعوب الضاحية، ترحيبا بتجديد العهدة لأوباما الثاني، تكشف مقدار جهلنا بحرفية المركب الذي يصنع للأمريكيين رئيسهم، ويخير شعوب ودول العالم كل أربع سنوات، بين فيل جمهوري هائج، أو حمار ديمقراطي يحمل الأسفار ويزر الأوزار ويرمم ما أفسده الفيل.

 

أني شديد الإعجاب بقدرة ومهارة القائمين على صناعة رب البيت الأبيض للولايات المتحدة، لأن المسار الذي يصنع للأمريكيين رئيسا، قد تحول في العقود القليلة الماضية إلى صناعة متقنة، كما وصفها أحد الكتاب الأمريكيين، حتى أنه أصبح من الممكن التنبؤ بالرئيس القادم شهورا   قبل   بداية  الاستحقاق، دون الحاجة إلى ما تروجه مؤسسات سبر الآراء وقياس الرأي، التي هي جزء من ماكينة التصنيع ليس إلا.

فقد كان من السهل على المحللين المهرة التنبؤ بفوز الجمهوري ريغن مع بداية انهيار الاتحاد السوفييتي، وظهور مؤشرات قوية عن فرصة بناء الإمبراطورية الأمريكية والقطب الأوحد، كما كان متوقعا تسليم الإدارة للديمقراطي بيل كلينتن وقتها، بالنظر إلى حاجة المؤسسة الحاكمة إلى سياسة تعيد الحيوية للاقتصاد الأمريكي، وإرضاء جانب من الطبقات الوسطى والفقيرة، التي أنهكتها فترة ريغان وبوش الأب، وهكذا تشتغل الآلة في تنظيم تداول مريح بين جناحي الحزب الواحد، الحاكم في الولايات المتحدة منذ أكثر من مائتي عام: فيل جمهوري هائج على الدوام، يصنع الحروب الإمبراطورية، ويوسع من مجالها الحيوي، وحمار ديمقراطي يحمل إسفار ومخلفات صحائف أمريكا السوداء، ويرمم قدر المستطاع الصورة القبيحة التي تصنعها فترة حكم فيلة الجمهوريين للولايات المتحدة.

.

حتى ينجح الحمار في أصلاح ما يفسده الفيل

وهذا تحديدا ما كان مبرمجا للحمار الجمهوري أوباما أن يتدبره في عهدة واحدة إن أمكن أو في عهدتين. فقد جاءت به الماكينة لإزالة ركام تخبط الفيل بوش الابن في العراق وأفغانستان، وإخراج الاقتصاد الأمريكي من مستنقع الإفلاس له وللاقتصاد العالمي، ولم تكن المهمة قد انتهت حتى يفسح المجال مجددا لفيل جمهوري جديد.

وحدهم الذين يعتقدون أن الناخب الأمريكي هو من يصنع الرئيس وأعضاء الكونغرس، يكونوا قد تفاجؤوا بتجديد العهدة لحمار الديمقراطيين، كما هو حال كثير من السياسيين والنخب الإعلامية العربية، الذين اعتقدوا قبل ربع سنوات أن الناخب الأمريكي قد من عليها بانتخاب شاب أسود من أصول افريقية إسلامية، حتى ظن بعضهم أنه قد يكون الخليفة الراشد الموعود، أو المهدي المنتظر، الذي سوف يملأ الأرض عدلا، حتى تصير خراف فلسطين ترعى مع ذئاب بني إسرائيل.

آلة تصنيع الرؤساء تسهر من قرنين على تنظيم تداول مريح بين جناحي الحزب الأمريكي الواحد: فيل جمهوري هائج على الدوام، يصنع الحروب الإمبراطورية، ويوسع من مجالها الحيوي، وحمار ديمقراطي يكلف بترميم ما أفسده الفيل”

ولنفس الأسباب التي حملتني من قبل على ترجيح فوز أوباما بالعهدة الأولى، لم أكن لأتوقع من المؤسسة الحاكمة تغيير رأس الإدارة الأمريكية.

 

فالاقتصاد الأمريكي مازال في غرفة الإنعاش، تلاحقه تبعات الأزمة المستديمة في منطقة اليورو، وما تزال القوات الأمريكية موحلة في أفغانستان، وبعض بقاياها في العراق، وفي الأفق أزمة مفتوحة على المجهول في سورية قد تفجر الشرق الأوسط.

ولمن شاء أن يدخل في لعبة التنبؤات بمن سيتولى رأس الإدارة بعد أربع سنوات من الآن، فإني أنصحه بمتابعة مستوى تعافي الاقتصاد الأمريكي والعالمي، ونجاح أو فشل حمار الديمقراطيين في إخراج القوات الأمريكية من أفغانستان، وتوصله إلى تسوية أو تطويق معقول لكرة النار التي تتغذى على الأحداث في سورية، ومعها التوفيق في صياغة تسوية مرضية للغرب في الملف النووي الإيراني.

وما دامت هذه الجبهات الثلاث مفتوحة، في وقت تبحث فيه إدارة الحكم في الولايات المتحدة عن تجميع قوتها، وتحويل مركز ثقلها في اتجاه الشرق الأقصى، استعدادا للتهديدات الإستراتجية الكبرى الحقيقية التي يشكلها التنين الصيني، وعودة الدب الروسي كلاعب دولي، ما دامت هذه العوامل الموضوعية قائمة، فإن حظوظ عودة فيلة الجمهوريين لرئاسة الإدارة الأمريكية تبقى محدودة حتى لا أقول منعدمة.

.

بال حمار أمريكا فاستبال حمير المعمورة

لأجل ذلك قد أتفهم الترحيب العالمي شرقا وغربا بإعادة انتخاب حمار الديمقراطيين. فقد أرضى هذا “الاختيار” معظم زعماء الاتحاد الأوروبي، الذين كانوا يخشون عودة الجمهوريين بآثار سلبية على جهود إعادة ترميم الاقتصاد العالمي، كما كانوا يخشون، رغم تصريحات هولاند وكامرون بشأن الملف السوري والإيراني، من فوز الفيل الجمهوري، بالنظر إلى بعض تصريحاته القريبة من موقف المحافظين الجدد، ودعوات الصهيوني المغامر نتانياهو في اتجاه توريط الولايات المتحدة والغرب في حرب إقليمية جديدة، غير أمنة العواقب على الاستقرار العالمي، وعلى تدفق النفط: عصب الاقتصاد.

ما لا استوعبه، رغم توفر حسن الظن، هو موقف النخب العربية من هذه المواعيد الانتخابية الرئاسية الأمريكية، مع ما تقترفه من قراءات خاطئة، غالبا ما تورثها قدرا هائلا من الإحباط، حين لا تأتي الرياح بما تشتهيه سفنها.

الجميع يتذكر كيف استقبل العرب نبأ فوز الحمار أوباما سنة 2008، حتى أن بعض النخب، القريبة من قوى الممانعة والمقاومة، قد أصابها شيء من الوهم حيال خطاب الود للعالم الإسلامي، وكأني بالنخب العربية ما زالت تُسقط ما تعرفه عن سلوك الزعامات في نظم الاستبداد على مؤسسة الرئاسة في الولايات المتحدة، التي تعمل داخل مؤسسة حكم معقدة للغاية، ليس البيت الأبيض والكونغرس فيها سوى واجهة تنفيذ ليس إلا.

.

زغاريد “المتعودة” من الأعراب

الترحيب العربي الإسلامي بفوز أوباما جاء مرة أخرى متوافقا، وكأن أوباما قد وحد العرب والمسلمين، من عرب الربيع إلى قادة دول المقاومة والممانعة، مرورا بـ”المتعودة” من الأعراب، والمؤلفة قلوبهم من إمارات الخليج وجمهوريات الموز في الضاحية، والكل قد زور في نفسه مغانم افتراضية بعد أن حسب الحسبة وفق أهوائه، لا وفق القوانين الصارمة المتحكمة في العلاقات الدولية، وفي سلوك الدول العظمى تحديدا.

فقد تنفس الإيرانيون والنظام السوري الصعداء مبكرا، ومعهم حلفاؤهم داخل الإقليم وخارجه، لأنهم يعتقدون أن هزيمة فيل الجمهوريين قد أبعدت شبح التدخل الأمريكي في الأزمة السورية، واستبعدت فرصة استجابة الإدارة الأمريكية لدعوات نتنياهيو التعجيل بضرب إيران، فيما قرأ أعراب الربيع العربي في فوز الحمار الديمقراطي، فوزا مبرما للتيار الإسلامي ألإخواني، المستفيد من ثورات الربيع العربي، حتى أن الرئيس مرسي كان من أول المهنئين لأوباما، ولا يشك عرب الخليج لحظة أن أوباما يكون قد تحرر في عهدته الثانية، وهو أقرب إلى اتخاذ القرار بتأديب الجارة إيران، وخسف الأرض تحت أقدام أسد سوريا، ويعتقد ثوار النيتو بليبيا وسورية أنه، وحتى مع ضياع الخيار الأفضل لو كان النجاح من نصيب الفيل الجمهوري، فإن حبل الرجاء من البيت الأبيض لم ينقطع، وأن “أوباما الثاني” المتحرر من حسابات الانتخابات، سوف ينسيهم ما يعتقدون أنه خذلان “أوباما الأول” للشعوب العربية الثائرة، فكانت التبريكات الواردة من قادة ثوار النيتو، مشفوعة بإلحاح على الطلبات القديمة، بتصدر الإدارة الأمريكية لمسار التدخل العسكري الغربي من أجل ترحيل نظام الأسد، وقد اتفقت فصائل الفلسطينيين في الضفة وغزة على تجديد الأمل حيال تغيير موقف البيت الأبيض من الملف الفلسطيني، وكأن زعماءها لم يتابعوا تلك المناظرة الغريبة الفريدة بين الحمار والفيل، وهما يزايدان في الوعود للحليف الصهيوني.

.

صكوك الغفران لأم الشياطين

وسواء تعلق الأمر بهذا المعسكر أو ذاك، فإن ما صدر عنهما من مطالب وتمنيات للبيت الأبيض، إنما يشهد عليهم بتهمة الكيل بمكيالين، وبقدر من النفاق والتزلف الأخرق لقوة عظمى، يثبت تاريخها المعاصر أنها “أم” رهط الشياطين المقيضة لضرب العرب والمسلمين، وجلد ظهورهم متى أتيحت لهم الفرصة، وهي بذلك تبرئ لاحقا كل ما نعلمه من كيل الإدارة الأمريكية بمكيالين في جميع سياساتها، وليس فقط في ما يتصل بالعرب والمسلمين.

فالثوار العرب، الذين يناشدون الإدارة الأمريكية بدعم انتفاضة الشعوب على حكام كانوا موالين للسيد الأمريكي، عليهم أن يقبلوا غدا بحق الإدارة الأمريكية في إسناد أية طائفة من بني جلدتهم تريد ترحيلهم بالفعل الثوري، المدعوم بصواريخ كروز وطائرات النيتو.

.

تحكيم الصليب لحسم معركة صفين

وما أحله فقهاء الإسلام السياسي لأنفسهم، وجب أن يحلل لفلول الأنظمة الساقطة، وللنخب الليبرالية التي خرجت من عرس ثورات الفيس بوك بلا حمص، وهم أقرب إلى المنظومة القيمية للفيلة والحمير معا، وأقرب منهما رحما.

رهط “المتعودة” من الأعراب، والمؤلفة قلوبهم من شعوب الضاحية يكون قد زور في نفسه مغانم افتراضية من إعادة تأهيل أوباما الثاني بعد أن حسب الحسبة وفق أهوائه، لا وفق القوانين الصارمة المتحكمة في العلاقات الدولية، وفي سلوك الدول العظمى تحديدا

ولست أدري كيف يستقيم استجداء أعراب الخليج لدعم الإدارة الأمريكية من أجل إسقاط نظام الملالي الإيراني، ودفع تهديدات ما يسمى بالهلال الشيعي لبدر السفيانية من السنة، كيف يستقيم مع تواطؤهم السابق في تفكيك درع الجزيرة العربية الحقيقي، وبوابة العرب الشرقية في عهد نظام صدام حسين، إذا كان التهديد الإيراني لم يصبح حقيقة ملموسة، إلا بعد أن تعاون العرب والعجم مع العلوج على إضعاف ثم إسقاط القوة العربية الوحيدة، التي كانت قادرة على ردع طموحات ملالي إيران، وقمع أطماع الشعوبيين من حول العرب.

.

حجة للفرنجة لحماية بني إسرائيل

وأخيرا، لا أرى أن العرب، بجميع أطيافهم ومشاربهم، قد انتبهوا إلى ما تضمره هذه الدعوات الملحة للتدخل الأمريكي في علاج وتسوية ملفات الشرق الأوسط من أخطار إستراتجية قاتلة.

فمثل هذه المطالب سوف تمنح المشروعية كاملة، ليس فقط لأي قرار أمريكي قادم بالتدخل في أي بلد عربي وإسلامي، بحجة مساندة ثورات الشعوب، التي يمكن فبركتها وتسويقها في ساعة من الزمن، بل سوف تبرر وتمنح المشروعية الكاملة لأية إدارة أمريكية ترفع شعار حماية الشعب اليهودي، والتمكين لقيام دولة يهودية صرفة في فلسطين المحتلة، ما دامت هي إرادة الشعب اليهودي المتوافق مع حكامه.

وإذا كنا نحلل ونطالب ونفتي بجواز تدخل النيتو بالقوة الغاشمة لترحيل نظام متهم بالاستبداد، كما حصل في العراق وليبيا، ويراد له أن يحصل في سورية، بحجة نصرة الشعوب، فلا بد أن نقبل غدا بما قد تدعيه الولايات المتحدة من واجب نصرة “الشعب اليهودي” وحماية حقه في قيام دولة يهودية صرفة، كما تريد بعض القوى الإسلامية أن ينصرها الغرب المسيحي في بناء دولة خالصة للإسلاميين.

فهل كنا سنفخر كما نفخر اليوم بفتوحات الفاروق عمر وخالد بن الوليد لفارس وبلاد الروم، لو أن الفاروق استعان بالروم على الفرس، أو بالفرس على الروم، واستفتى لنفسه بمثل ما استفتى به الخلف الطالح لتبرير الاستعانة بحلف النيتو؟

 

مقالات ذات صلة