الرأي

تجديد العهد في أيام العشر

سلطان بركاني
  • 1146
  • 1

حديث الأئمّة والدّعاة والمواقع والصّفحات الدّعوية هذه الأيام، هو حديث عن العشر الأوائل من ذي الحجّة المباركة التي حلّت برحاب الأمّة الإسلامية يوم أمس الأحد، وحُقّ لها أن تكون مدار حديث العلماء والدّعاة والأمّة كلّها، لأنّها أيام ليست ككلّ الأيام، ومن وجد في نفسه أنّها مثل باقي الأيام فقد أتى من قسوة قلبه وغفلة روحه.. أيام هي أفضل أيام العام وخير أيام الدّنيا، تُهدي عباد الله المسلمين فرصة أخرى بعد رمضان، لشحن الإيمان، وتجديد العهد مع الله الواحد الديان، وترقيق القلوب وشحذ الهمم، والعودة إلى درب الطّاعة والاستقامة.

مضى شهران بعد رمضان، ولا شكّ في أنّ كثيرا منّا قد فتَرت هممهم وقست قلوبهم ووهنت أبدانهم عن الطّاعات، فمنّا من ترك صلاة الفجر ونسيها، وما عاد يصلّيها حتّى تطلع الشّمس، ومنّا من هجر القرآن، ومنّا من هجر المسجد وما عاد يدخله إلا يوم الجمعة.. ها هي العشر الأوائل من ذي الحجّة قد أقبلت لتأخذ بأيدينا وتعيدنا -بإذن الله- إلى ما كنّا عليه في رمضان.. يقول الحبيب المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام-: “أفضل أيام الدنيا أيام العشر، يعني عشر ذي الحجة”.. فيا الله! أفضل أيام الدّنيا وأفضل أيام العام هي العشر الأوائل من شهر ذي الحجّة، ما يعني أنّها أحبّ الأيام إلى الله، وأنّها أسنح فرصة يتعرّض فيها العبد المؤمن لمغفرة ربّه ورحمته ورضوانه، ويعني أيضا أنّ المغفرة فيها أغزر والفضل فيها أوفر.. يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام”، يعني العشر الأوائل من ذي الحجة قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بماله ونفسه ثم لم يرجع من ذلك بشيء” (البخاري).

فأي فضل هذا الذي يلهينا عنه الشّيطان وتلهينا عنه أنفسنا بالدنيا وشواغلها التي لا تزيد قلوبنا إلا قسوة؟! أي فضل هذا الذي ننساه كلّ عام ولا نأخذ منه إلا القليل، وربّما بيننا من لا يأخذ منه قليلا ولا كثيرا؟! أيام يمكن أن تكون بداية لحياة جديدة، هي حياة التوبة والصّلاح والاستقامة والحياة المنظّمة والهدف الواضح، حياة التعلّق بما عند الله في الدّار الآخرة، حياة السعادة والراحة والطمأنينة.. حياة ينبغي لكلّ واحد منّا أن يسارع إليها قبل أن يفجأه الموت وهو على تفريطه وسوء فعاله.

أيام العشر من ذي الحجّة، فرصة قد لا تتكرّر لكثير منّا، فقد تعود في عام قابل ونحن في قبورنا رهائن أعمالنا، لذلك ينبغي لكلّ واحد منّا أن يتعامل معها كأنّها آخر عشر يعيشها في هذه الدّنيا، فيعلن فيها توبة صادقة إلى الله من تقصيره وتفريطه في جنب مولاه الكريم، ويعقد العزم على أن تكون هذه الأيام بداية جديدة لحياة مختلفة يكون شغله الشّاغل فيها التزوّد من الأعمال الصّالحة، خاصّة تلك الأعمال التي يحبّها الله في كلّ وقت ويضاعف أجورها في مثل هذه المواسم، وعلى رأسها المحافظة على الصّلوات الخمس في أوقاتها، خاصّة صلاة الفجر التي يهجرها كثير من المسلمين في فصل الصّيف بحجّة أنّ الليل يكون قصيرا وساعات النّوم لا تكون كافية! وهم يعلمون أنّ الواحد منهم لو كان على موعد مع شخص مهمّ في الساعة الثانية صباحا لاستيقظ قبل الميعاد بساعة ليهيّئ نفسه، لكنّه يجد لنفسه الأعذار عندما يتعلّق الأمر بموعد بين يدي خالق الكون ومقدّر الأرزاق سبحانه: ((لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّة)).

ومن أهمّ الأعمال التي ينبغي الحرص عليها كذلك في هذه الأيام: الصّيام، الذي يضاعَف أجره في عشر ذي الحجّة أضعافا لا يعلم قدرها إلا الله، حتى قال بعض العلماء: “صيام يوم يعدل صيام سنة، والعمل يضاعف بسبعمائة ضعف”، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: “كان يقال في أيام العشر بكل يوم ألف يوم، ويوم عَرفة بعشرة آلاف يوم”، وقال الأوزاعي رحمه الله: “بلغني أنّ العمل في اليوم كقدر غزوة في سبيل الله، يُصام نهارها ويُحرس ليلها، إلا أن يُختصَّ امرؤ بشهادة”.

ومن الأعمال أيضا: الإكثار من التّهليل والتّكبير والتّحميد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد” (رواه أحمد)، وروى البخاريّ عن ابن عمر وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أنّهما كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبّران ويكبّر النّاس بتكبيرها، وكان عمر بن الخطّاب يكبّر في قبّته بمنى فيَسمعه أهل المسجد فيكبّرون، ويكبّر أهل الأسواق حتى ترتجّ منًى تكبيراً.

ومن الأعمال أيضا: التقرّب إلى الله بشراء الأضحية لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، والحرص على كونها من خيار الأنعام سليمة من العيوب، لا عرجاء ولا عوراء ولا مريضة ولا عجفاء، وعلى الإخلاص في ثمنها وترك المباهاة واجتناب الرياء الذي يمحق الأجر ويذهب بالبركة؛ فالأضحية ليس الغرض الأساس منها إشباع نهم النّفوس من اللّحوم، وليس إعلان التنافس مع الإخوة والأقارب والجيران، إنّما التقرب إلى الله بإراقة دمها، ثمّ إدخال البهجة والسّرور على قلوب الأهل والأولاد.

ومن الأعمال الصّالحة التي ينبغي الحرص عليها كذلك في العشر من ذي الحجّة: ترك الأخذ من الشّعر والأظافر لمن كانت له أضحية يذبحها، من مغرب آخر يوم من أيام ذي القعدة إلى الفراغ من ذبح الأضحية يوم النّحر، فعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إذا رأيتم هلال ذي الحجّة وأراد أحدكم أن يضحّي، فليمسك عن شعره وأظفاره” (رواه مسلم).. وهذه سنّة من السّنن، يؤجر من حرص عليها تشبها بالحجيج، ولا يأثم من تركها.

ومن الأعمال الصّالحة التي يتأكّد الحرص عليها في هذه الأيام: إخلاص الدّعاء لله جلّ وعلا؛ فالدّعاء في هذه الأيام أقرب إلى الإجابة منه في غيرها.. فليدعُ كلّ واحد منّا في هذه الأيام وليلحّ على الله بحاجاته وأمنياته من خيري الدّنيا والآخرة، خاصّة عند سحور وعند إفطار كلّ يوم يصومه، ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين)).

في مقابل كلّ ما سبق ذكره، ينبغي للعبد المؤمن أن يجتنب في أيام العشر من ذي الحجّة المعاصي والذّنوب، لأنّ وزرها يضاعف، كما حقّق كثير من العلماء، والعبد المؤمن الذي يرجو الله والدار الآخرة ويروم سعادة الدّارين، يحرص على ترك المعاصي في عشر ذي الحجّة خوفا من استنزال سخط الله في هذه الأيام، ولِيُوطّن نفسه على تركها في كلّ الأيام، لأنّ الله الذي يراه في أيام ذي الحجّة، يراه في غيرها، وشؤم المعاصي نكال في الدّنيا وحمل ثقيل في الآخرة، لذلك فالعبد العاقل اللّبيب يسارع إلى التوبة كلّما وقع في ذنب أو معصية حتى لا يجني ثمارها المرّة في الدّنيا والآخرة: يقول المولى سبحانه: ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين)).

مقالات ذات صلة