تحراشت الصناعية.. بلدة صغيرة تتحول إلى قطب اقتصادي
بين جبال أقبو وسكون صباحها، تنهض تحراشت الصناعية، الواقعة بحوض الصومام في بجاية، كخلية نحل لا تعرف التوقف، تصنع المنتجات وتبني الأحلام.. هنا، تدور عجلة الاقتصاد كما تدور الحكايات عن مدينة قررت أن ترسم مستقبلها بيدها، رغم التحديات.
أنشطة صناعية متنوعة ومتكاملة
على مشارف مدينة أقبو، وبالقرب من الطريق الوطني رقم 26، تتمدد تحراشت على مساحة حيوية تتيح لها الربط السلس مع البلديات والموانئ، خصوصًا ميناء بجاية الذي يعتبر ثاني أكبر ميناء تجاري في الجزائر بعد ميناء الجزائر العاصمة، ويشكل نقطة لوجستية أساسية لسلاسل التوريد والإمداد.
وتضم تحراشت عشرات المؤسسات الصناعية والتجارية، منها مصانع للمواد الغذائية بمختلف أنواعها وأذواقها، ووحدات لإنتاج مواد البناء وتجهيزات الكهرباء، إلى جانب شركات البلاستيك والتعبئة وورشات ميكانيكية لصيانة المعدات.. هذه البيئة المتنوعة تسهم في تعزيز شفافية الإنتاج وتقليص التكاليف اللوجستية، ليتحول المكان إلى نسيج صناعي متكامل يخدم الاقتصاد المحلي والوطني.
الساعة تقترب من السابعة صباحًا، الضباب يلف الجبال المحيطة، لكنه هنا يمتزج بدخان أول المحركات التي تدور، صفير الرافعات يمتزج مع هدير الشاحنات، فيما تتهيأ بوابات المصانع لاستقبال مئات العمال، ترى بعضهم يرتدون القبعات البيضاء والملابس المعقمة استعدادًا لدخول مصانع المواد الغذائية، بينما آخرون يحملون أدواتهم متوجهين نحو ورش البناء أو خطوط إنتاج البلاستيك وورق التغليف التي تجهز الطلبيات لشاحنات التوزيع.
داخل الممرات، تسمع مزيجًا من اللهجات، شباب آقبو، رجال من القرى المجاورة، وحتى عمال جاءوا من ولايات بعيدة، الجميع هنا يجمعهم هدف واحد وهو “العمل” ومع كل شاحنة تغادر محملة بالبضائع أو أخرى تدخل محملة بالمواد الخام، في انسجام تام مع إيقاع الإنتاج المستمر، يتجلى الدور الاستراتيجي للمكان في دعم الاقتصاد المحلي والوطني، وفي هذا الخضم، تُروى قصص مثل قصة عامل تعبئة بسيط أصبح، بعد تجربة كبيرة، مسؤولا للإنتاج، وفتاة كفيفة تحولت إلى فاعلة في قطاع التعبئة، مُظهرين قدرة المنطقة على صناعة الإنجاز من خلال العمل الجاد.
بالإضافة إلى نشاطها الصناعي، ساهمت المنطقة الصناعية بتحراشت في خلق ديناميكية اقتصادية واجتماعية ملحوظة على مستوى مدينة أقبو، فقد استفاد العديد من شباب المنطقة من الفرص الجديدة التي وفرتها هذه الحركة، حيث اتجه بعضهم إلى فتح مقاه ومطاعم ومحلات تجارية متنوعة لتلبية احتياجات العمال والزوار، هذه المشاريع الصغيرة لم توفر مصدر رزق للشباب فحسب، بل أضفت أيضًا حيوية على محيط المنطقة الصناعية، وحولتها إلى نقطة جذب للحركة اليومية والتبادل التجاري.
أثر محلي وإقليمي ملموس
تحراشت لا توفّر فقط مئات فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، بل تعزز من جاذبية ولاية بجاية ككل للاستثمار الوطني والأجنبي، فحسب دراسة حول تأثير المناطق الصناعية في الجزائر، يمكن لهذه المناطق، عند إدارتها بشكل جيد، أن تحفّز النمو الاقتصادي، وخلق فرص تشغيل، وتشجيع الابتكار، ودعم التنمية المستدامة.
صمود رغم التحديات.. ورؤية وطنية تتلاقى معها
رغم بعض المعوقات مثل ضيق طرق المنطقة واحتياجها للبنى التحتية، تبقى إرادتها الجماعية المعطاءة هي الأكثر تأثيرًا، إذ أن روح التعاون وصياغة حلول عملية للنقائص المسجلة، تمثل حجر الأساس لاستمرار تحراشت في النمو، ونحن نشهد بشكل يومي مشاريع تتوسع، ولوجستيات تتحسن، وخطط مستقبلية تتبلور أكثر فأكثر. وتأتي تحراشت في قلب مسار وطني نحو تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط والغاز، إذ تستهدف الجزائر في هذا السياق تطوير قطاعات صناعية متعددة مثل البترو كيميائيات، الصناعات الغذائية، اللوجستيك، مع دعم المناطق الصناعية في مختلف الولايات كركائز للنمو الاقتصادي الجديد.
صناعة الأمل
تحراشت ليست مجرد تجمع للمصانع، بل هي رمز لإرادة مجتمع يسعى للنهوض باقتصاده المحلي، ففي كل ركن من أركانها، تجد قصة جديدة تُروى عن شاب بدأ مشروعه الخاص، عامل تحسنت حياته، أو مؤسسة توسعت لتخلق فرص عمل جديدة.. ومن بين أصوات الآلات وصفير الشاحنات، يولد الأمل في أن أقبو ستواصل رسم ملامح مستقبلها بعرق أبنائها وإصرارهم.