تحرير الاقتصاد من الإصر البروقراطي
بداية التفكير في معالم ميزانية 2017 صرف جهد الحكومة نحو توفير مزيد من الموارد المالية الداخلية، عبر أدوات الجباية من جهة واللعب بقيمة الدينار، وعلى المستوى الخارجي العودة إلى طرق باب الاستدانة الخارجية مع امتناع ظهور مؤشرات حقيقية عن تحسن أسعار النفط.
الوصفة المعتمدة تبقى تقليدية كلاسيكية، في بلد يمتلك هامشا مريحا على المستويات الثلاث، سواء من جهة تحسين أداء الجباية التي أهملت زمن البقرات السمان، أو من جهة امتلاك الدولة لسلطة غير مراقبة في تحديد قيمة الدينار، أو من جهة القدرة على اللجوء إلى الأسواق المالية.
غير أن أفق هذه الحلول يبقى محدودا، قد يوقف تفاقم الأزمة، وييسر تمرير إجراءات التقشف كما حصل في ميزانية 2016 دون تمكين اقتصاد البلد من تجنيد موارد بديلة، لعوائد النفط من النشاط الاقتصادي خارج المحروقات، وربما تكون الجزائر قد ضيّعت في صيف البحبوحة المالية اللبن، وأضاعت فرصة تحويل الفوائض المالية إلى مصدر لتمويل الاقتصاد البديل للريع النفطي.
بعض الإجراءات المعتمدة في السنوات الخمس الماضية كان بوسعها أن تساعد على تحويل الجشع الاستهلاكي للسوق الجزائرية، إلى مصدر لتوطين صناعة الثروة في كثير من القطاعات الصناعية، بتعميم الإجراء الذي اعتمد في قطاع استيراد السيارات بإلزام المتعاملين على توطين جزء من فائض القيمة عبر بناء مصانع التركيب، يسمح بخلق مناصب شغل وبناء قاعدة قابلة للتوسع من المناولين.
فلا شيء يمنع الدولة من تعميم الإجراء على باقي المتعاملين في المواد الكهرومنزيلة، وقطاع الالكترونيات، وقطاعات صناعية أخرى لا يحتاج توطين صناعتها لنفس الجهد، ولا لنفس التعقيدات التي اعترضت مسار توطين صناعة السيارات ابتداء من مرحلة التركيب، وما يزال أمام الحكومة فرصة لتحويل تحديات أزمة شح الموارد إلى فرص حقيقية لتحرير الاقتصاد من التبعية لعوائد النفط.
وفي هذا السياق لا تحتاج الحكومة إلى إعادة ابتكار العجلة، وقد سبقتنا دول مثل الصين، والهند، وتركية، وفيتنام إلى فتح اقتصادها لاستثمارت خارجية غير مثقلة بالأعباء العقائدية، داخل مناطق حرة لعبت دور المحرك الفعلي للاقتصاد، وكان لها نفس المعوقات البيروقراطية التي يشكوا منها الاقتصاد الوطني.
وفي كل الأحوال، فإن الطريق إلى التحرر من التبعية للريع النفطي يمر حتما بالانتقال من التعويل المطلق على الجباية النفطية إلى توسيع القاعدة الجبائية للدولة في الصناعة والخدمات، لا تملك الحكومة فيه من خيار سوى مراجعة السياسة المنظمة للاستثمار الوطني والأجنبي، برفع القيود والمعوقات القانونية والبيروقراطية، بدءا بتوفير سبل مغرية تستقطب الكتلة المالية الهائلة التي تتحرك خارج رقابة الدولة في الاقتصاد الموازي، الذي تذهبت معظم فوائضه المالية نحو المضاربة في العقار والإسفاف في الإنفاق على الكماليات.
وفي مكان ما، ما يزال الجهاز البيروقراطي يعمل بثقافة السبعينيات من القرن الماضي من جهة تحميل الدولة الدور الأول في صناعة الثروة، وبذهنية التسعينيات من جهة تسليم التجارة الخارجية للوبيات “الاستيراد والاستيراد” التي ساهمت في قتل فرصة بناء اقتصاد وطني منتج يتمتع بقدر من الحماية من المنافسة الخارجية، وقد يحتاج البلد إلى تحرير البلد من سلطة وهيمنة هذا الكيان البيروقراطي كشرط مسبق لنجاح سياسة تحرير البلد من عوائد المحروقات.