الرأي

تحرير الدولة من سلطة المماليك

حبيب راشدين
  • 2133
  • 8

كيفما كانت النوايا المبيّتة، فإن السلطة والمعارضة لن يفلتا هذا العام من استحقاق البحث في مستقبل البلد، وحاجة الدولة إلى إصلاحات عبر مراجعة واسعة للدستور، فالرئيس لم يعد يمتلك القدرة على التسويف، والتأجيل المتكرر، للدخول في استحقاق مراجعة الدستور، وقد كان على رأس برنامجه منذ العهدة الأولى، وليس بوسع المعارضة أن تستمر في اجترار خطاب الشجب والطعن في الشرعية القائمة، دون الانخراط في أحد المسارين:

مسار التغيير بتفعيل أدوات الشارع وميادين التحرير، كما حصل في بعض دول الربيع، إن كانت تملك أدواته، وعلى رأسها القدرة على تحريك الشارع ببرنامج ثوري أو إصلاحي، يغري المواطنين على المجازفة بالأمن وبالاستقرار، وبكثير من متاع الدنيا، مما جادت به سياسة شراء السلم الاجتماعي.

أو مسار الإصلاح بمعيّة السلطة القائمة، الذي يفترض الإقلاع نهائيا عن خطاب التشكيك في شرعية المؤسسات القائمة، حتى مع التسليم بنشأتها في دمن التزوير، لأن الحوار الجاد لن يقوم إلا بين طرفين يعترف كل واحد منهما بحق الطرف الآخر في الجلوس على الطاولة، والتسليم القبلي بحاجة نجاح الحوار إلى تقديم تنازلات، كشرط لتحقيق التوافق على الحد الأدنى.

رسالة الرئيس الأخيرة حول مضمون تعديل الدستور أعطت إشارة قوية ومشجّعة تحتاج إلى توضيح، وقد وعد بدستور لا يُفصّل “على مقاس شخصي أو على مقاس النظام”،  وهو بلا شك وعدٌ مشكوك فيه سلفا، قبل الإفصاح عن مضامين التعديل الدستوري، لكنه التزامٌ أخلاقي مبدئي، يمكن للمعارضة أن تبني عليه، بعرض مقترحات تحوّل الالتزام الأخلاقي إلى نصوص دستورية ملزمة.

حتى الآن لا نعلم موقفا موحّدا للمعارضة من الإصلاحات الدستورية، وهل هي مع مراجعة عميقة لنظام الحكم، تسقط النظام شبه الرئاسي الهجين، الذي وضع السلطة التنفيذية والتشريعية بيد الرئيس دون شريك، وحصّنه من الرقابة البرلمانية، والذهاب عندئذ نحو أحد الخيارين الصريحين: إما مع نظام رئاسي صريح، يكون الرئيس فيه مسئولا مسئولية كاملة على أداء الجهاز التنفيذي، أو اعتماد نظام برلماني صرف بكل ما له وعليه، بما في ذلك جمعه للسلطتين التنفيذية والتشريعية بيد أغلبيةٍ برلمانية، أو البحث عن صيغة ثالثة تضمن في المقام الأول تأمين الدولة من تغوّل السلطة الذي هو أصل البلاء كله؟

ما لا يقبل من السلطة كما من المعارضة، هو الدجل مجددا على المواطنين بترميمات جزئية لدستور تعدّدي، أعاد تدوير ثقافة وسلوك الاستبداد في جميع مؤسساته، وقد أفسد الدولة وأوهن مؤسساتها، وفتح الباب على مصراعيه للفساد المطلق بأنواعه.

على مستوى الحريات، لسنا بحاجة إلى توسيع لا طائل من ورائه في قائمة الحريات التي يضمنها الدستور، ما لم يمكّن الدولة بأداء وظيفة حماية الحريات، لتكون الدولة هي الرقيب الأول على سلوك الوافدين على السلطة، بإنجاز فصل حقيقي بين الدولة، كمجموعة إدارات دائمة تخدم السلطة والمواطنين بالقانون، والقانون وحده، وبين السلطة المؤتَمنة بتفويض انتخابي على تنفيذ برنامج حكم عبر القانون والقانون وحده.

فهل السلطة القائمة اليوم، كما المعارضة المتطلّعة للحكم، هما على استعداد لتحرير الدولة من التغوّل الطبيعي لأي سلطة تجتهد على الدوام لتحويل الدولة إلى ملكية خاصة تنفذ رغبات من بيده السلطة؟

مقالات ذات صلة