تحرير عفاريت “علبة الباندور”
ربما يكون الأمين العام لجبهة التحرير قد فجر أكثر من قنبلة عنقودية انشطارية، قد تمتد موجاتها لما بعد الرئاسيات القادمة، وتتجاوز حدود ما يسمى بصراع الأجنحة، ويكفي أن سعيداني قد منح ـ من حيث لا يدري ـ مادة دسمة للحملة الانتخابية، وفتح ما يشبه “علبة الباندور” لا نعلم عدد العفاريت التي سوف تخرج منها.
كم الاتهامات الخطيرة التي وجهت للفريق توفيق، أخرجت للعلن ملفات خطيرة ومعقدة، كان النظام قد نجح في تطويقها مثل: ملف اغتيال الرئيس بوضياف، وتصفية شخصيات بارزة مثل عبد الحق بن حمودة، والملف المعقد لرهبان تبحيرين، فضلا عن تعرية الأدوار التي لعبتها المديرية في توظيف شرائح واسعة من مؤسسات الدولة وأسلاكها، ومكونات المشهد السياسي الجمعوي والإعلامي.
لا مراء، أن إعادة فتح هذه الملفات المتفجرة، هو فوق طاقة ومؤهلات سعيداني وحزب جبهة التحرير، وأن سعيداني لم يكن سوى ناقل لرسائل ليست مشفرة بما يكفي، من جناح قوي في السلطة، يريد من الرئيس أن يستكمل ما بدأه بإعادة هيكلة مديرية الاستعلامات والأمن، ليس فقط بترحيل الفريق توفيق، ولكن بتفكيك الشبكة الأخطبوطبة التي نسجها هذا الرجل الغامض داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
الرسالة فيها كثير من التهديد والوعيد لمكونات هذه الشبكة، يراد من مكوناتها أن تلتزم الحياد في المواجهة المفتوحة على هامش الرئاسيات، رسالة توحي أن الجهة المستفيدة من إعادة هيكلة المديرية تكون قد ورثت ملفات كاشفة لمكونات الشبكة، التي لم تعد تحظى بحماية الفريق توفيق.
إشعال فتيل هذه القنابل على لسان سعيداني، يوحي بقدر من البراعة وحسن اختيار التوقيت، ويكون مديروها من خلف الستار قد نجحوا في إثارة الهلع داخل عش الدبابير، فخرج بعضها للعلن يدافع عن الفريق توفيق، بحجة الدفاع عن مؤسسة الجيش، متهمين سعيداني بمحاولة ضرب المؤسسة العسكرية، فيما لم تحرك المؤسسة حتى الآن ساكنا، ربما لأنها لا ترى في تصريحات سعيداني استهدافا لها، أو لأنها لا تمانع في أن تصفى هذه الملفات بالجملة في صفقة واحدة، ويحمل وزرها رئيس مديرية الاستعلامات والأمن، فترحل مع ترحيله.
جميع الأطراف المتصارعة وضعت أمام امتحان حقيقي، ليس فيه فرصة للنزول بين المنزلتين. فليس من السهل على الرئاسة أن تلتزم الصمت طويلا، ولن يكون بوسع الصفوة من المرشحين للرئاسيات التهرب من اتخاذ موقف، كما لا يمكن للفريق توفيق التزام الصمت طويلا أمام اتهامات وجهت له شخصيا، وليس أمامه سوى الرد باللجوء إلى القضاء لكسب الوقت، حتى ينجلي غبار معركة الرئاسيات.
الأمر المؤكد أننا بصدد معركة كسر عظام أوسع من تلك التي سبقت رئاسيات 2004، وانتهت بترحيل رأس قيادة أركان الجيش، مع فارق أن إعاة هيكلة مديرية الاستعلامات والأمن قد وحدت رأس قيادة المؤسسة العسكرية، التي ربما تريد أن تستقبل المرحلة القادمة، وقد استخفت من أعباء ملفات ملغومة، كما سمحت معركة رئاسيات 2004 بتحريرها من تبعات العشرية الحمراء.