الرأي

تحنيط تقنقراطي للنافق من جيل “طاب جنانو”

حبيب راشدين
  • 4808
  • 4

حين يدخل الوزراء ميدان تحرير المشهد السياسي من رؤوسه النافقة بالمتشابه من عبارة إرحل، فاعلم أن من بيده إدارة المرور بأزقة المشهد السياسي يكون قد أعطى الضوء الأخضر، وأقام صلاة الغائب في الأذن اليسرى لمشهد سياسي يجري تفكيكه وإعادة تركيبه قبل موعد تعديل الدستور، لتعديل المسار نحو الوجهة التي تضمن عهدة جديدة للنظام.

 

لم يكد حبر رسالة استقالة أويحيى من رئاسة التجمع يجف، حتى خرج ثمانية من وزراء جبهة التحرير عن “واجب التحفظ” ليقولوا بصوت مرتفع للأمين العام للجبهة “إرحل” بمشيئتك إن شئت، أو بما لا تحمد عقباه من طرق وأساليب الانقلابات العلمية التي ابتكرها المشهد السياسي الجزائري، منذ تدبير الانقلاب العلمي على المرحوم عبد الحميد مهري.

نداء “الترحيل” الطوعي كان مبرمجا مع هؤلاء الوزراء أو مع غيرهم من خصوم الأمين العام بلخادم داخل قيادة الجبهة، لأن الجهة التي تدير عملية ترحيل “جيل طاب جنانو” لا تريد بالضرورة أن تترك لمؤسسات الأحزاب إدارة عملية التطهير الذاتي بالطرق الديمقراطية عبر مؤسسات الأحزاب، لأن الأمر يتعدى مجرد ترحيل رؤوس أحزاب الموالاة، إلى خلق واقع جديد داخل المشهد السياسي، يسمح بترحيل الرؤوس النافقة الموروثة عن مشهد دستور89، وخلق ثغرة أوسع من ثغرة “الديفرسوار” لتمرير عملية التشبيب القادمة في المشهد السياسي. 

.

  .. ويحمل نعش “ ///////” ثمانية

وعلى خلاف ما يعتقده شيوخ التقويميات والتصحيحيات داخل أحزاب التحالف الرئاسي الموءود، فإن الوزراء الثمانية لم يتطوّعوا بهذا النداء، الموحى به من حنجرة عميقة، ليكون لصالح قيادات التصحيحيات، وما كان لوزراء بدؤوا المشوار مع العهدة الأولى للرئيس مثل: عمار تو، الطيب لوح، عبد العزيز زياري، أو رشيد حراوبية، ما كان لهم أن ينطقوا بما نطقوا به لو لم يتلقوا الضوء الأخضر من الجهة التي تتحكم في قانون المرور في دروب وأزقة المشهد السياسي الرسمي.

فقد كانت جميع المؤشرات قبل التشريعيات الأخيرة تنذر بوقوع فضيحة تطال كبريات الأحزاب، في استحقاق كان سيسقط بفعل عزوف الناخبين، لولا تدخل الرئيس من مدينة سطيف، ليشجع طائفة من الكتلة الناخبة على المشاركة، برسالة توحي بقرب إنهاء مهام جيل “طاب جنانو”، وتدعوا الشباب إلى انتزاع القيادة بطرق تحفظ ماء الوجه لجيل الثورة تحديدا، وليس لفلول المشهد السياسي الموروث عن دستور 89.

ثم إن الرئيس قد باعد بين صدور نتائج التشريعيات وإنجاز التغيير الحكومي بأكثر من أربعة أشهر، حتى لا ينشأ أي لبس لدى قيادات المشهد السياسي، وحتى يستبعد مظنة الربط بين حقيقة أوزان الأحزاب داخل البرلمان والتشكيل الحكومي.

.

 

“على خلاف ما يعتقده شيوخ التصحيحيات، فإن الوزراء الثمانية لم يتطوّعوا بهذا النداء، الموحى به من حنجرة عميقة، لو لم يتلقوا الضوء الأخضر من الجهة التي تتحكم في قانون المرور في دروب وأزقة المشهد السياسي الرسمي”

 

آخر المسامير في نعش دستور 89

فقد بدأ بالتخلص من تبعات موروث التسعينيات منذ بداية العهدة الأولى بانتقاده المتكرر في أكثر من مناسبة لدستور 89، وتجاهل التعامل مع كثير من مفرداته، يأتي على رأسها البرلمان، وقد رسم بينه وبين البرلمان مسافة من البعد والجفاء، حرمت التشكيلات الهزيلة للبرلمان من القيام بأدوارها وصلاحياتها الدستورية المحدودة أصلا، واستدرج الأحزاب الكبرى إلى قيود التحالف الرئاسي المنفذ لبرنامج الرئيس، ثم أدخل تعديلا دستوريا محدودا نقل موقع رئاسة الجهاز التنفيذي، وأعاده إلى صيغة “الوزير الأول” بدل رئيس الحكومة، وأخيرا جاء تعيين الوزير الأول من خارج دائرة حزبي الموالاة: الجبهة والتجمع، واستدعى رجلا من الدولة العميقة لتولي منصب الوزير الأول، الذين يراهنون اليوم على فرص التسلق نحو مواقع توزيع الريع السياسي بالحكومة، بعد خلو ساحة رئاسة الحزبين الكبيرين، إنما يعيشون وهما قاتلا، وربما يكون قد فاتهم قراءة سياسة الخطوة خطوة التي ينفذها الرئيس منذ ولايته الأولى، في سياق تفكيكه المنهجي للمشهد السياسي وللمؤسسات الموروثة عن دستور 89، حتى مع امتناع تعديل الدستور بما يتفق مع رغبته المعلنة، منذ بداية العهدة الأولى، في الانتقال إلى نظام رئاسي صرف، أو شبه رئاسي بصلاحيات أوسع للرئيس.

.

تحنيط تقنقراطي للمتشابه من الساسة

قبل أربعة أشهر، وتحديدا بتاريخ 08/09/2012 كتبت مقالا يشرح خلفية التعديل الحكومي تحت عنوان: “رجل من الدولة العميقة لحراسة حوار النظام مع نفسه”، وجاء في استهلاله ملخص للرسالة المرجوة من التعديل تقول: “الحكومة الجديدة المشكلة من مادة أعيد تدويرها، جاءت في صيغة تعديل وزاري محدود غطى على التغيير الفعلي لرأس الوزارة، بإبعاد خادم رجال الدولة الأول، واستبعاد غريمه بلخادم، في توافق مؤقت على رجل قادم من الدولة العميقة، لن يشوش على حلقات حوار النظام مع نفسه قبل التوافق على كبير من القوم لخلافة الرئيس في الربع الأخير من العهدة”، وقد وقفت وقتها عند جملة من الملاحظات والاستنتاجات، التي تساعدنا اليوم على الإحاطة بسر إبعاد أويحيى من رئاسة الحكومة، ثم من رئاسة التجمع، والانتقال إلى غريمه في جبهة التحرير:

الملاحظة الأولى الأهم في التشكيلة- كما أوضحت في المقال- “هي خلع عباءة الحزبية عن التشكيلة الجديدة، حتى مع تواجد ممثلين كثر، سواء عن الأحزاب صاحبة الأغلبية في البرلمان، أو من الأحزاب الجديدة.. فالسيد سلال محسوب على الدولة العميقة، ورثه الرئيس من حقبة سابقة، قد يحسب على التقنقراط، وهو على الأرجح إنتاج لحل وسط بين صانعي القرار، حسم التردد بين الأفلان والأرندي، وربما أريد من خلال اختيار السيد سلال، تحييد الحكومة عن الترتيبات والصراعات، التي تكون قد بدأت للبحث عن مرشح الدولة لخلافة الرئيس بوتفليقة سنة 2014”.

.

الموت الرحيم لمشهد بلغ أرذل العمر

وحتى تتضح الصورة أكثر، فقد ذكرت بالجانب الخفي في التعديل الحكومي الذي “قد يشي بوجود رغبة عند الرئيس في اتجاه تثبيت حكم رئاسي صرف، سواء مع حصول توافق على الخيار يثبت لاحقا بتعديل دستوري، أو يسمح للرئيس في ما بقي من عهدته الثالثة بإدارة مباشرة للجهاز التنفيذي، بعيدا عن حسابات المشهد السياسي، وعن قيود البرلمان، مستغلا الثغرات الموجودة في الدستور الحالي، والتي تسمح للرئيس في هذا النظام المختلط بالهيمنة على بقية مؤسسات الحكم”.

وقد ذكرت في نفس المقال أن “إعلان الرئيس من مدينة طيف، قبيل استحقاق التشريعيات، بما يفيد أن هذا النظام قد خلق، والقول بأن الجيل الحاكم “طاب جنانو” لم يكن فقط من باب التحريض على المشاركة في الاستحقاق، بقدر ما كان حكما موضوعيا على نظام قد بلغ أرذل العمر، ولم يعد قادرا على العطاء، لا بمؤسساته ولا برجالاته وبرامجه، ولا بما هو موجود في الساحة من قوى سياسية مصابة، مثلها مثل النظام، بأعراض زمانة الشيخوخة المبكرة”.

وتأتي الأحداث المتسارعة اليوم لتؤكد سلامة هذه القراءة، التي تسمح بالنظر إلى ما يحدث في بيتي التجمع الوطني وجبهة التحرير، على أنها أحداث متوقعة، ما كان لها أن تفاجئ لا الأمين العام للتجمع الوطني، ولا نظيره في جبهة التحرير.

.

“لأن البلد على أبواب استحقاقات سياسية كبرى، لم يسمح صناع القرار بأن تتم عملية “الترحيل” عبر مسارات نظامية ديمقراطية داخل مؤسسات الحزبين، حتى لا يدعي أي طرف من أعضاء التصحيحيات أن له فضل في ترحيل أويحيى وبلخادم”.

أشراط قيام الساعة لجيل “طاب جنانو”

فالبلد على مسافة عام ونصف العام من واحد من أهم الاستحقاقات السياسية، يريد صناع القرار أن يتم الترتيب له خارج أي تشويش قد يأتي من المشهد السياسي وشخوصه، ويسبقه استحقاق آخر على نفس القدر من الأهمية، له صلة بالتعديل الدستوري المرتقب، الذي يراد له أن ينجز داخل برلمان قد تقطعت بنوابه الصلة مع القيادات الحزبية، خاصة داخل حزبي السلطة، حتى لا يبقى ولاء النواب لقيادات الحزبين المرحلة، ولأجل ذلك لم يسمح بأن تتم عملية “الترحيل” عبر مسارات نظامية ديمقراطية داخل مؤسسات الحزبين، حتى لا يدعي أي طرف من أعضاء التصحيحيات والتقويميات أن له فضل في ترحيل أويحيى وبلخادم، وأن يكون الجميع على دراية بمن بيده الأمر أولا وأخيرا، سواء في ترحيل الرأسين، أو في إعادة تشكيل القيادات الجديدة.

فمن الواضح أن أعضاء البرلمان من جبهة التحرير والأرندي، لا يدينون بشيء لزعامات التصحيحيات والتقويميات، لا في وصولهم إلى البرلمان، ولا في إزاحة الرأسين، ويعلمون أيضا لمن يجب أن يذهب الولاء عند إعادة تشكيل قيادة الحزبين، وما هو الثمن المطلوب حتى يكون لهم نصيب من الريع في القيادات القادمة للحزبين، يدفع عند مباشرة البرلمان دراسة التعديل الدستوري. وأنه ليس مقبولا منهم تكرار تجربة إفراغ إصلاحات الرئيس من محتواها، ولا حتى من المعارضة التي أعيد تشكيل بعضها بمسارات تقويمية أو بالإنشطار والإنشقاق.

.

صلاة الغائب على من والى ومن يعارض

وعلى هذا المستوى يكون رحيل آيت أحمد من جبهة القوى الاشتراكية بالاستقالة الطوعية، واختفاء حزب سعيد سعدي من المشهد، والدفع للواجهة في منطقة القبائل بحزب ليبرالي معتدل “مثل الحركة الشعبية الجزائرية” لعمارة بن يونس، وبحزب إسلامي مؤتمن مثل حزب “تاج” للوزير الحمسي المنشق عمار غول، وتقزيم الوزن السياسي لحزب السيد جاب الله، وإعادة حزب العمال إلى حجمه الطبيعي، هي جميعها أحداث مترابطة تصب في خانة إعادة تشكيل المشهد السياسي بما لا يعيق هذه المرة مسار تعديل الدستور من جهة، والمضي قدما بترتيبات الرئاسيات القادمة، التي لن تظهر معالمها إلا بعد تمرير التعديل الدستوري، إما بإعادة النظر في مدة العهدة الرئاسية بما يضمن إطالة العهدة الرئاسية الحالية على الأقل بسنتين إضافيتين بموجب أحكام انتقالية في التعديل الدستوري الجديد، أو بالبحث عن صيغة مبتكرة تفتح الباب أمام عهدة رابعة للرئيس تقدم كعهدة أولى في ظل نظام حكم رئاسي جديد، يتضمن نائبا للرئيس يهيئ تحت عباءة الرئيس لاستلام المشعل.

 

مقالات ذات صلة