تخليص المحور المقاوِم من شرنقته
جولة من الحرب الفاصلة على درب تحرير الأقصى هدأت مؤقتا على الجبهة اللبنانية، وقد أبلى أهلُها بلاء حسنا في إسناد المقاومة الفلسطينية منذ عام ونيف، كان فيها اللبنانيون مقاومة وشعبا على الموعد، رغم بعض الحساسيات الممتد نسبها إلى اتفاق “سايكس- بيكو” المشؤوم سنة 1916م، وإلا فلبنان من الأمة، والأمة موحدة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وإن سعى بعض القُطريين إلى سلخ هذا البلد الجميل من محيطه وتاريخه.
أهو تولٍّ يوم الزحف؟
وحدةُ الساحات تحققت على ثلاث جبهات أو أربع تنفيذا لاتفاقٍ أبرم بينها، فأدت الجبهة اللبنانية واليمنية والعراقية الحق الذي عليها ولا تزال ثابتة في الميدان، بيد أن قائد هذا المحور وراعيه، أي الإيراني، تأخّر عن واجبه المنوط به، وهو الذي شجّع تحريضه الدائم المقاومين في الجبهات على الإقدام غير مبالين بالتضحيات؛ إذن بقي الإيرانيون يتربصون وطال بهم التربص ولم يقدِموا على الوغى إلا مرتين، إحداهما على استحياء والثانية بجرأة جعلت الصهاينة يتحسّبون ويعيدون الحساب. ثم نأى الإيرانيون بأنفسهم عن العصا التي لوّح بها الأمريكيون، وتركوا الساحات الباقية تواجه مصيرها وحيدة، وتتعرض لأبشع أصناف التنكيل من قوة غاشمة. الأمر الذي طرح السؤال الصعب على الظنون بشأن مصداقية الوليّ الفقيه في دعم المقاومة والدفاع عنها، وهو المتمترس وراء عقيدة مذهبية ضيّقة، لا تقبل إشراك الأمة في الدفاع عن حياضها ومقدساتها؟
ربما أسفرت الحرب قبل أن تضع أوزارها عن هزيمة سيُمنى بها الكيان الصهيوني وإن بدا للناس خلافه، من خلال فشله في تحقيق أهدافه الصعبة التي أعلن عنها ولم يظفر منها إلا بالقليل، مثل زعمه القضاء على المقاومة وتحرير الأسرى بالقوة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وغير ذلك من مرام باتت اليوم بعيدة المنال عن جيش مهزوم لا ينجز لقادته غير أرض محروقة وقتل الضعفاء من الأبرياء.
وفي قبالة ذلك، تدعونا هذه الحرب المقدسة التي يتولى خوضها المحور المقاوم إلى مراجعة جذرية للعقيدة المذهبية التي تأسَّس عليها، ومن ثمّ القول بضرورة إطلاق القضية الفلسطينية من القيد الذي حال دون الأمة جمعاء في تأدية واجبها نحو القدس، والتنافس في ما بينها على تحرير الأقصى.
موقف الجمهورية الإيرانية كان ضعيفا ويدعو إلى الحيرة واليأس من أن يعوِّل عليها أي فصيل في حرب قادمة. لقد كان من الأجدر بها أن تنضمَّ بقوة إلى الحرب دفاعا عن غزة ولبنان، ولكنها أبت إلا أن تظل متفرّجة مندّدة، تنعي القتلى وتكيل الرثاء لهم في احتفالات التأبين، وهذه الأعمال لا تجدي نفعا من كان في الهيجاء يكتوي بلظاها؛ لذلك فقد شعر خلقٌ كثير من أبناء المحور بالخذلان.
موقف الجمهورية الإيرانية كان ضعيفا ويدعو إلى الحيرة واليأس من أن يعوِّل عليها أي فصيل في حرب قادمة. لقد كان من الأجدر بها أن تنضمَّ بقوة إلى الحرب دفاعا عن غزة ولبنان، ولكنها أبت إلا أن تظل متفرّجة مندّدة، تنعي القتلى وتكيل الرثاء لهم في احتفالات التأبين، وهذه الأعمال لا تجدي نفعا من كان في الهيجاء يكتوي بلظاها؛ لذلك فقد شعر خلقٌ كثير من أبناء المحور بالخذلان، وبدا لهم كلام الأمين العامّ الأول لحزب الله صبحي الطفيلي أقرب إلى الواقعية. هذا إذا كان الرجل صادقا مع نفسه والناس طوال الفترة الماضية، ولم يكن قوله تقية يسوقه كصمام أمان للطائفة الشيعية.
لم تكن”البروباغندا” التي أنفق عليها حزب الله بسخاء، ودلّل عليها بحماقات زجّ فيها بنفسه وليست من مهامه، كالاصطفاف ضد الثورة السورية، ومناكفة الشركاء اللبنانيين على حقوقهم السياسية، حتى عطّل الحياة في هذا البلد العزيز، فلا يفتأ الحزب يذكّر بثلاثيته المبتدعة “الجيش والشعب والمقاومة”، التي تستبقيه متفوقا دائما على سائر شركائه اللبنانيين، بل سعى دائبا ولا يزال يسعى مشكِّكا في وطنية اليمين اللبناني ونزاهته في الدفاع عن وطنه حينما يستحضر ورطة تحالفه مع الإسرائيليين لتصفية الوجود الفلسطيني أثناء الاجتياح في سنة 1982م.
وللمفارقة فإن هذا اليمين وغيره من الفرقاء اللبنانيين قدَّم حاضنة دافئة للنازحين من المناطق الجنوبية هربا من لهيب هذه الحرب، التي كادت أن تحرق الأخضر واليابس لولا أن العناية الإلهية هيَّأت أسبابا كيما تتوقف مؤقتا. حاضنة تحسَّس الجنوبيون نبلها وأرومتها الأصيلة، وجلدها على كظم غيظ على مضض، ولم يرها تبدي دنوا من درك الانتقام تشفيا على قروح لا تزال نازفة.
إسراع الجيش اللبناني للانتشار في الجنوب يخدم الكيان الذي طابت نفسه بذلك واعتبره صفقة مواتية جدا كي يحمي نفسه من ضربات المقاومة من خلال درع يتخذه من جيشها؛ فالعدو يدرك أن ليس بمقدور الجيش اللبناني مواجهة آلتها لنقص فادح في عديده وعتاده، ولأن اللبنانيين وجيرانهم كذلك غير متوافقين حتى الآن على مد هذا الجيش بسلاح يليق به كحام للدولة اللبنانية، المختلَف داخليا وإقليميا على شرعية وجودها في الأساس.
منطلقاتٌ نحو معركة فاصلة
توسيع الدائرة الإسلامية للمقاومة كيما تشمل الأمة بأسرها خير درس يُستخلص، فالحركات الإسلامية السنية كانت تريد إصلاح الحكم في بلدانها ولكنها تعيش اليوم ضياعا مهدورة الرجال والجهود، وقد آن لها أن تنهض. إن الذين تلقوا تربية إسلامية إبَّان نشأتهم أكثر الناس قابلية لخوض المعركة الفاصلة، ولست في معرض التدليل على صدقية ذلك منذ أن شدّت أفواج المقاومة الأولى رحالها لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي على أرض فلسطين. ثم أتى سقوط البعث في سورية وتولي الثوار زمام الأمور مدماكا جديدا في صرح هذه الوحدة المنشودة نحو تحرير الأقصى الشريف.
كما أنَّ توحيد التيارين القومي والإسلامي تحت قيادة موحَّدة وعلى رؤية واحدة من أجل تحرير القدس، لأنها البوصلة التي لا يختلف عليها التياران؛ فالقوميون-على ضعفهم اليوم- لا يزالون يمسكون بالسلطة في بعض الدول أو يشاركون فيها، والإسلاميون كذلك، خاصة في شرق العالم الإسلامي وشماله، كأفغانستان وتركيا والقوقاز.
تركُ المكايدة السياسية لدولٍ إسلامية منبطحة أو متخلّية أو خائنة لمبادئها بابُ مجدٍ للمحور كيما يتجدد بعدما كاد أن يتبدّد، لأنّ أي سعي نحو المخاصمة سيبدِّد الجهود، وسيسدُّ الطريق أمام هذه الدول للعودة إلى حضنها الطبيعي والمساهمة في المعركة الفاصلة، إذا ما رأت أن الكفّة ترجح لصالح أمتها. وإنّ مواقف مبدئية اتخذها الملك فيصل بن عبد العزيز والرئيس الجزائري هواري بومدين وغيرهما في حرب 1973م شواهد ماثلة من أمسنا القريب.
وفتحُ المجال أمام كتائب الأمة للتدريب والتسليح النوعي الذي يؤثر على مجريات الحرب الفاصلة كالصواريخ والمسيَّرات، بعد أن عادت سورية إلى حضنها السُّني المجاهد، مثلما فعل الأوكرانيون عقب الغزو الروسي لبلدهم حينما شكّلوا مبكرين “الفيلق الدولي” للدفاع عنهم، وكذا الاستفادة مما أتاحه الصدع القائم بين الشرق والغرب في الحرب الروسية- الأوكرانية، والتعاون مع الروس والصينيين في المصالح المتبادلة_ كل ذلك استثمار جيد يساهم في تحقيق تلكم الغاية النبيلة.
إنه بالمنطق القُطري، يتساءل بعضهم، لماذا نأى المصريون والسوريون والأردنيون وشطر لا بأس به من الفلسطينيين، في الداخل والشتات، عن واجب التضحية والفداء، وتُرك الغزاويون واللبنانيون والحوثيون وحدهم في الميدان كأنهم مكسر عصا؟ وإن كان المنطق الأممي يقول إن ما يقدِّمه اللبنانيون وغيرهم شرفٌ عظيم لو أنهم كانوا متهيئين جميعا ليرتقوا درج هذا المقام الرفيع؛ فليكن الشيعة المقاومون في المحور هذه المرة حسنيين لا حُسينيين، فالحسن (رضي الله عنه) أهدى أمته عام الجماعة، والحسين (رضي الله عنه) طلب العودة إلى ابن عمِّه يزيد في دمشق لولا أن شانئيه عاجلوه.
هنالك حيلة قتالية لا تخفى عن اللبنانيين، وهي الانتشار في الأرض والتباعد في البيوتات، استغلالا لما في الأرض من خيرات، وتعسيرا على الاحتلال في أن يتتبَّع المقاومين، لاسيما إذا ما وصلوا بيوتهم بشبكة معقدة من الأنفاق تحسُّبا لحروب قادمة، أي بناء مساكن للحرب لا قصورا للفخر.
لقد أبانت معركة “طوفان الأقصى” للداني والقاصي أن تحرير فلسطين قضية أمة بأكملها، وليست قضية فصيل من منها وإن كان بحجم محور عابر للدول، وهذه القناعة المستخلَصة من الحرب الضروس الدائرة رحاها منذ عام ونيف بغزة وما حولها، كانت بحق رافعة لوعي الأمة بأن قضية القدس هي أقدس الأقداس، ودونها يبذل أحرارُ الأمة الغالي والنفيس بسخاء وجود؛ فالمقاومون الذين فجَّروا المواجهة لم يُخطئوا في قرار شنِّها، وإن كانوا لم ينتصروا فيها حتى الآن فإنهم لم يُهزموا، ولن يُهزموا بإذن الله الواحد الأحد.
على كل الشرفاء من أبناء الأمة الإسلامية، خاصة المنظمات والهيئات التي تتبوّأ منابر يلتفّ من حولها الأفراد والجماعات، وأخذ زمام المبادرة في توحيد الكلمة ورصف الصفوف، ولا يسعنا أن ننتظر المحور الممانِع وقادتَه ليلموا الشمل ويفسحوا المجال، فقد لا يتحرر هذا المحور من الشرنقة التي حان أوان التخلُّص منها إلا بمساعدة خارجية مُخلصة من عموم الأمة، نرى اليوم جهوزيتها العالية، لتنفر كافة أكثر من أي مرحلة ماضية.